في الوقت الذي ينتظر فيه الحاج السوداني لحظة الوصول إلى الأراضي المقدسة باعتبارها واحدة من أعظم المحطات الروحية في حياته، تفاجأ عدد من حجاج ولاية الخرطوم هذا العام بأوضاع وصفوها بـ”المزرية” داخل معسكرات منى، وسط حالة من الغضب والاستياء بسبب تدني الخدمات مقارنة بالتكاليف المالية الباهظة التي دفعتها الأفواج قبل السفر.
شكاوى متصاعدة من الحجاج تحدثت عن أوضاع صعبة داخل المخيمات، شملت ضعف التهوية، وسوء الإعاشة، وتراجع مستوى النظافة والخدمات الأساسية، إلى جانب معاناة كبار السن والمرضى في ظل ظروف لا تتناسب – بحسب وصفهم – مع قيمة الرسوم المدفوعة ولا مع قدسية الرحلة نفسها.
الحج ليس رحلة ترفيهية، بل عبادة شاقة تتطلب توفير الحد الأدنى من الراحة والرعاية والتنظيم، خاصة أن غالبية الحجاج من كبار السن الذين يحتاجون إلى عناية خاصة وظروف إنسانية مناسبة تساعدهم على أداء المناسك بطمأنينة وسلام.
المؤسف أن هذه الانتقادات لا تُطرح للمرة الأولى، إذ تتكرر في كل موسم تقريباً تساؤلات حول مستوى الخدمات المقدمة للحجاج السودانيين، مقابل الارتفاع المستمر في تكلفة الحج عاماً بعد آخر، دون أن يلمس المواطن تحسناً حقيقياً يوازي تلك الزيادات.
ويبقى السؤال المشروع الذي يردده كثيرون اليوم: أين تذهب كل هذه الرسوم؟ ولماذا لا تنعكس على جودة السكن والإعاشة والتنظيم؟
إن إدارة ملف الحج لا ينبغي أن تُدار بعقلية الإجراءات الروتينية، بل بروح المسؤولية والحرص على كرامة الحاج السوداني، لأن الحاج عندما يغادر بلده يكون قد حمل معه سنوات من الادخار والتعب والأمل في أداء الفريضة في أجواء تحفظ له إنسانيته وراحته.
المطلوب اليوم ليس تبادل التبريرات، وإنما مصارحة شفافة للرأي العام، وتقييم حقيقي لتجربة هذا الموسم، مع فتح باب المحاسبة والمراجعة لكل أوجه القصور، حتى لا تتحول رحلة العمر إلى تجربة مثقلة بالإرهاق والخذلان.
كما أن من حق الحجاج وأسرهم معرفة تفاصيل الخدمات التي تم التعاقد عليها، ومستوى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيرين إلى بيع ممتلكاتهم أو استنزاف مدخراتهم لأداء هذه الفريضة.
ويبقى الأمل أن تتحول أصوات الحجاج ومعاناتهم إلى نقطة إصلاح حقيقية، تعيد الاعتبار لخدمة الحاج السوداني، وتضمن أن تكون رحلة الحج رحلة روحانية كريمة، لا تجربة قاسية تضاف إلى أعباء المواطن السوداني المتزايدة.
