ليس البيان الذي أصدرته ولاية الخرطوم دفاعاً عن صيانة منزل الوالي والأمين العام للحكومة هو ما استوقفني، وإنما استوقفتني العبارة التي ظنت الولاية أنها ستغلق بها باب الجدل، فإذا بها تفتحه على مصراعيه: “تمت الصيانة وفق أسعار السوق.”
وفق أسعار السوق؟!
حسناً… إذا كانت الحكومة تحتج بأسعار السوق لتبرير ملايين الجنيهات التي أنفقتها على بيوت مسؤوليها، فمن حق هذا الشعب أن يسألها السؤال الذي لا يملك البيان شجاعة الإجابة عنه: ماذا قدمت الدولة للمواطن حتى يرمم بيته هو وفق أسعار السوق؟ وكم قرضاً منحته؟ وكم أسرة وفرت لها الأسمنت والحديد والكهرباء والسباكة بالأقساط؟ وكم منزلاً أعادت إليه الحياة بعد أن حولته الحرب إلى ركام؟
لقد أصبح السوق شماعة تعلق عليها الحكومة كل شيء حين يتعلق بالمواطن، أما حين يتعلق بالسلطة، فإن خزائن الدولة تُفتح بلا تردد، وتصبح الأموال العامة أداة لإعادة الحياة إلى الحجر، بينما يظل الإنسان نفسه يبحث بين الأنقاض عن سقف يؤويه.
والمفارقة التي تكشف عمق الأزمة أن الحكومة نفسها تدعو المواطنين إلى العودة الطوعية. لكن العودة إلى ماذا؟ إلى بيوت بلا أبواب؟ إلى جدران بلا أسقف؟ إلى أحياء بلا خدمات؟ أم إلى سوق منفلت يلتهم كل من يحاول أن يبدأ من جديد؟
إن العودة الطوعية ليست بياناً صحفياً، ولا مؤتمراً إعلامياً، ولا شعاراً يرفع في المناسبات. العودة مشروع اقتصادي واجتماعي متكامل، يبدأ من جيب المواطن قبل أن ينتهي عند باب منزله.
كان الأولى بولاية الخرطوم أن تجعل من صيانة بيوت المواطنين مشروعها الأكبر، وأن تعلن صندوقاً لإعادة إعمار المنازل، وأن تمنح الأسر قروضاً حسنة، وأن توفر مواد البناء والكهرباء والسباكة والنجارة بالأقساط المريحة، وأن تعيد مؤسسات التنمية الاجتماعية إلى دورها الحقيقي، فتتحول من مكاتب صامتة إلى جسور تعبر بالمواطن من اليأس إلى الأمل.
أما أن تستنفر الحكومة إمكاناتها لصيانة بيوت المسؤولين، ثم ترفع في وجه المواطن لافتة كتب عليها “أسعار السوق”، فذلك ليس تبريراً، وإنما اعتراف صريح بأنها قررت أن تترك شعبها نهباً لجشع السوق، بينما تحيط مسؤوليها بكل أسباب الراحة والأمان.
إن الدولة لا تُقاس بحجم ما تنفق على مكاتبها ومساكن مسؤوليها، وإنما تُقاس بما تنفقه على كرامة الإنسان. فبيت الوالي، مهما بلغت قيمته، يظل حجراً، أما بيت المواطن فهو وطنه الصغير، فإذا تهدم، تهدم معه شعور الانتماء، وإذا أعيد بناؤه، عاد معه الأمل في الدولة نفسها.
إن الأزمة الحقيقية ليست في فاتورة الصيانة، وإنما في فلسفة الحكم التي تقف وراءها. فلسفة ترى أن المحافظة على الأصول الحكومية واجب، لكنها لا ترى أن المحافظة على المواطن هي أصل الأصول، وأعظم استثمار، وأبقى أثراً.
وما يؤسف له أن حكوماتنا ما تزال أسيرة عقل بيروقراطي محدود، يبدع في تبرير القرارات أكثر مما يبدع في صناعة المبادرات، ويجيد عدّ الفواتير أكثر مما يجيد عدّ آهات المواطنين. إنها تعاني فقراً مدقعاً في الخيال السياسي، وجدباً في الفكر الخلاق، وعجزاً عن إنتاج الأفكار الملهمة التي تصنع الفرق بين حكومة تدير الأزمة، وحكومة تصنع المستقبل.
ولذلك سيظل السؤال معلقاً في ضمير كل سوداني: إذا كانت الدولة قد وجدت المال لترميم بيت الوالي، فمتى تجد الإرادة لترميم بيوت الوطن؟ ومتى تدرك أن صيانة الإنسان أولى من صيانة الجدران، وأن إعمار القلوب هو الطريق الحقيقي لإعمار الخرطوم؟
