بين لظى الحرب التي أحرقت الديار، ومرارة النزوح التي أذلّت العزيز، خطّ السودانيون بدموعهم ودماء قلوبهم فصولاً من التغريبة القسرية. غير أن فصلاً جديداً، أشد قسوة وأكثر إيلاماً، يُكتب اليوم على جدار الصمت عند معبر أرقين الحدودي ، حيث يتحول حلم العودة إلى الوطن من حضنٍ دافئ إلى مقصلة تُذبح فيها الكرامة الإنسانية على نصب الجشع والاستغلال.
لم تكن الكاميرات الرقمية وهواتف العائدين النقالة أدوات لتوثيق اللحظة للتأريخ ، إنما كانت نوافذ مشرعة على جحيم حقيقي. لقد رأينا مقاطع فيديو تدمي القلوب وتظهر شيوخاً ركّعاً، وأطفالاً رُضّعاً، ونساءً ما أعتدن الضيم، وهم يلتحفون الأرض الصخرية القاسية ويفترشون السماء الملتهبة .
إنها لوحة سريالية تلخص مأساة شعب عزيز وأبي ، بشراً كدّسهم الانتظار وأضناهم المسير، يواجهون في عتبات وطنهم معاناة لا تقلضراوة عن “أوار الحرب” التي فروا منها يومئذ . أولئك الذين نجوْا من مقذوفات المدافع، وجدوا أنفسهم في “أرقين” أسرى لـ “قذائف” الجوع، والمرض، والمهانة.
أن تفر من الموت لتجد نفسك في مواجهة سكرات إذلال منظم.. تلك هي الفجيعة التي يعيشها العائدون على أعتاب الوطن.”
وفي مناخات الفوضى وغياب الرقابة، تبتلع “الذئاب البشرية” ما تبقى من رمق في أجساد المتعبين. فلقد استغل مرضى النفوس، ومصاصو دماء الغلابة، فراغ السلطة وتواري هيبة الدولة، ليمارسوا ساديتهم وهوايتهم المفضلة في عذاب البشر.
إذ تبدأ الفصول بنكث العهود والتراجع عن الاتفاقات المسبقة حيث قُطعت التذاكر من بلد القادمين على أن تكون الوجهة النهائية هي “الخرطوم” أو ولايات السودان المختلفة، ليفاجأ المسافرون بطرحهم في عراء المعبر كبضاعة مهملة! هناك فقط يجد العائد نفسه مجبراً تحت وطأة الحاجة والإنهاك على شراء تذاكر جديدة، بأسعار خرافية فلكية لا تخضع لعرف ولا دين ولا قانون، ليتحول المعبر إلى سوق نخاسة حديث يُباع فيه ويُشترى عجز قاطنيه.
أمام هذا المشهد السريالي والتكدس البشري المرعب، ينبثق سؤال مركزي حارق يتردد في صدور العائدين والمراقبين على حد سواء: أين الدولة؟ أين وزارة النقل وصوتها الغائب عن فوضى شركات الترحيل وباصاتها السائبة؟ أين وزارة الداخلية وأجهزتها لضبط هذا العبث وتأمين كرامة المواطن؟ أين حكومة الولاية التي يقع هذا الجحيم تحت نفوذها الجغرافي والإداري؟
كيف يُترك الحبل على غاربه لشركات ترحيل تجردت من الإنسانية، لتتحكم في مصائر الآلاف دون رحمة أو مراعاة لظروفهم الاستثنائية؟ إن غياب الآليات التنسيقية الحازمة، وترك المواطن أعزل في مواجهة تغوّل سماسرة الأزمات، هو تواطؤ صامت يتنافى مع أبسط واجبات ومسؤوليات السلطة تجاه رعاياها.
إن ما يحدث في معبر “أرقين” لم يكن أزمة لوجستية أو ضائقة صغيرة ، وإنما هو امتحان أخلاقي ووطني تسقط فيه مؤسساتنا الإدارية يومياً. إن العائدين إلى أرض الوطن ليسوا عالة، إنهم أبناء هذا التراب الذين ضاقت بهم منافي الأرض فجاءوا يبحثون عن الأمان في وطنهم، فاستقبلتهم سوء الإدارة بأنياب الاستغلال.
نطلقها صرخة مدوية في آذان المسؤولين: إن استعادة هيبة الدولة لا تبدأ فقط من جبهات القتال، وإنما تبدأ من صون كرامة الإنسان السوداني في معابره ومطاراته. أوقفوا هذا العبث، وحاسبوا سماسرة المأساة، فالتاريخ لا يرحم، ودموع الأطفال والنساء في عراء “أرقين” ستظل لعنة تلاحق كل من قصر أو تخاذل.
