الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالاتثلاثة آلاف حاج على مذبح الفشل الإداري

ثلاثة آلاف حاج على مذبح الفشل الإداري


من الذي صادر فريضة العمر؟ ومن الذي يملك أن يطفئ أشواق الناس إلى بيت الله؟
ليست القضية خطأً إجرائيًا يمكن دفنه في مكاتبات المكاتب، ولا خللًا إداريًا يُطوى في صمت البيانات الباردة، ولكن نحن أمام تقصير مكتمل الأركان، عنوانه أن نحو ثلاثة آلاف سوداني، استوفوا المطلوبات كاملة، وسددوا الرسوم كاملة، وأتموا الإجراءات كاملة، ثم وجدوا أنفسهم خارج قافلة الحجيج، مبعدين عن بيت الله، لا لذنب اقترفوه، ولا لقصورٍ من جهتهم، وإنما بسبب تقصير إداري صارخ، يرقى إلى العبث بحقوق الناس في أعظم شعائر الدين.
وأي جريمة هذه أن يُحال بين مسلمٍ وركنٍ من أركان الإسلام بسبب سوء إدارة؟
وأي استهانة هذه بمشاعر الناس، وبأموالهم، وبأعمارهم، وبأشواقهم، وبدعواتهم التي عقدوها عند السَّحَر رجاء الوقوف بعرفة؟
إن فريضة الحج ليست شأنًا ثانويًا في حياة الناس، إنها فريضة العمر، وقد تكون الفرصة الأولى والأخيرة. فكثير من هؤلاء باعوا ما يملكون، استدان بعضهم، وأنفق آخرون تحويشة العمر، مسترخصين المال في سبيل الله، لأن القلوب إذا تعلقت بالحرم هانت الدنيا بما فيها.
لكن الكارثة التي لا يمكن السكوت عنها، أن هؤلاء لم يُحرموا بسبب قلة مقاعد من الأصل، ولم يُستبعدوا لعدم استيفاء الشروط، بل بعد اكتمال السداد والإجراءات. وهنا يثور السؤال الذي يزلزل كل ما عداه:
كيف تم اختيار من أُبعدوا؟ وعلى أي معيار؟ وبأي عدالة؟
إذا كان الجميع قد استوفوا المطلوبات، فمن الذي قرر أن هذا يذهب إلى بيت الله، وذاك يُردّ عنه؟
ومن الذي نصب نفسه حكمًا بين الناس في توزيع حقٍّ استوفوه بأموالهم؟ وأين الشفافية؟ وأين القوائم؟ وأين المسؤول الذي يخرج للرأي العام ليقول: كيف حدث هذا؟
إن الصمت هنا ليس حيادًا، وإنما إدانة.
هذه ليست إدارة أخفقت وانتهى البيان ، إنما هي منظومة سمحت بأن تُذبح آمال ثلاثة آلاف حاج على مذبح الفوضى.
هل يدرك القائمون على هذا الملف معنى أن يُحرم شيخٌ أفنى عمره ينتظر هذه اللحظة؟
هل يعرفون معنى أن تموت امرأة وقلبها معلق بالحرم وقد سُلبت منها الفرصة؟
هل يدرون أن بعض الحجاج ربما لا يدركهم موسم آخر، وأن هذا الفوات قد لا يُجبر أبدًا؟
إن الحديث هنا عن أموال مستردة أو إجراءات معادة لا يُصلح الجرح.
فبعض الحقوق إذا فات وقتها لا تعوض.
فوات الحج ليس كفوات معاملة.
إنه سقوط حلم، وانكسار روح، وربما ضياع فرصة العمر إلى الأبد.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقف عند الموظف ولا عند الإدارة، بل تصعد حتى رأس الدولة.
السيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، هذه ليست قضية هامشية لتُترك للبيروقراطية الباردة، ولا ملفًا يُدار بالتفويض ثم يُغلق بالصمت. هذه قضية أمانة أمام الله، وقضية آلاف الأسر التي تنظر إليكم اليوم بوصفكم الملاذ الأخير بعد أن عجز من أوكلتم إليهم هذا الأمر.
فإن كنتم قد فوضتم غيركم، فإن التفويض لا يرفع المسؤولية.
وإن كان من حولكم قد عجزوا عن إصلاح الخلل، فأنتم قادرون على تداركه.
تدخلوا الآن… لا غدًا.
خاطبوا الأشقاء في المملكة… افتحوا مسارًا عاجلًا… عالجوا الكارثة قبل إغلاق الأبواب.
فالوقت هنا ليس وقت لجان، ولا وقت تبريرات. الناس لا تريد بيانات.
الناس تريد أن تحج.ثم بعد الإنقاذ، فليأت الحساب.
من الذي قصّر؟
من الذي عبث بالقوائم؟
من الذي اختار المستبعدين؟
ومن الذي يتحمل دموع ثلاثة آلاف حاج حُرموا من البيت العتيق؟
إن كانت الدولة تعجز عن حماية حق الناس في أداء فريضة استوفوا شروطها وسددوا رسومها، فبأي وجه تُدار شؤون العباد؟
هذا ملف لا يحتاج إلى معالجة فقط، بل إلى محاسبة تهز أركان التقصير، حتى لا يصبح الحج نفسه ضحيةً للفوضى.
ثلاثة آلاف حاج اليوم ليسوا أرقامًا…
إنهم ثلاثة آلاف دعوة مكسورة، وثلاثة آلاف قلب معلّق بالكعبة، وثلاثة آلاف قضية عدل تنتظر من ينصفها.
وإن لم تتحرك الدولة لإنقاذهم، فستبقى هذه الحادثة وصمة لا يمحوها الزمن .

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات