في زوايا المؤسسات، خلف المكاتب الأنيقة والشعارات البراقة، تدور معارك صامتة لا تُكتب في التقارير ولا تُذكر في الاجتماعات. معارك عنوانها: الغيرة، والحسد، والحفر في الخفاء.
تجد شخصًا ناجحًا، مجتهدًا، يضيء مكانه بعمله… وفجأة، بدل أن يكون مصدر إلهام، يتحول إلى هدف. هدف لمحاولات الإقصاء، والتشويه، وكسر الخاطر.
السؤال المؤلم:
لماذا؟
لماذا حين نرى نجاح غيرنا، لا نصفق له… بل نحاول إسقاطه؟
لماذا نحفر لبعضنا البعض بدل أن نبني معًا؟
لماذا نحسد الناس على نعمٍ لم نسعَ لها أصلًا؟
الأمر لم يعد حالات فردية… بل ظاهرة تتكرر في الشركات، والمؤسسات، وحتى المدارس—أماكن يُفترض أن تُبنى فيها القيم قبل المناصب.
الأصعب من ذلك، ذلك التناقض الصارخ:
ترى من يؤذي غيره، يحقد، ويخطط في الخفاء… ثم يمسك سبحته، ويُكثر من الاستغفار، ويستمع للقرآن، ويظن أنه بذلك قد أصلح ما أفسده داخله.
لكن الحقيقة التي لا يريد البعض مواجهتها:
الدين ليس مظهرًا… الدين سلوك.
والصلاة التي لا تنهى عن الأذى، ليست إلا حركات بلا روح.
موعظة… قبل أن نُكمل الحديث
تذكّر جيدًا…
أن القلوب ليست صندوقًا مغلقًا لا يراه أحد.
ربما تخفي نيتك عن الناس، لكنك لا تستطيع أن تخفيها عن الله.
كل نظرة حقد،
كل كلمة تقليل،
كل محاولة لإسقاط إنسان ناجح…
هي ليست “شطارة” ولا “ذكاء إداري”…
بل ذنوب تتراكم، حتى تثقل قلبك قبل ميزانك.
لا تغتر بصورة المتدين التي ترسمها لنفسك…
فالله لا ينظر إلى عدد التسابيح في يدك،
بل إلى ما تحمله في صدرك.
قد تُخدع الناس فترة…
لكنك لن تخدع الحقيقة،
ولن تهرب من حسابٍ دقيق… لا يضيع فيه شيء.
نقِّ قلبك…
فالنوايا السوداء، مهما تجمّلت، رائحتها فاضحة.
ما الفائدة التي يجنيها من يحفر لغيره؟
هل يكبر؟ أم يصغر في أعين الناس؟
هل يرتفع؟ أم يسقط، ولو بعد حين؟
الحقيقة القاسية:
الذي يحارب نجاح الآخرين، لا يفعل ذلك قوة… بل ضعفًا.
ضعف نفس، وقلة ثقة، وخوف من أن يُفضح فراغه أمام إنجاز غيره.
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
أشخاص يحملون أعلى الشهادات—ماجستير، دكتوراه—لكن قلوبهم ممتلئة بالغيرة والضغينة؟
هنا يجب أن نتوقف قليلًا…
لأن المشكلة ليست في التعليم، بل في التربية.
ليست في الشهادات، بل في القيم التي لم تُغرس.
العلم قد يرفع مكانتك…
لكن الأخلاق وحدها ترفعك عند الله وعند الناس.
لو أدرك كل إنسان حجم الذنب الذي يرتكبه حين يؤذي غيره،
لو فهم أن الكلمة الجارحة، والمؤامرة الصغيرة، والحسد الخفي… كلها مكتوبة، ومُحاسب عليها—even مثقال ذرة—
لما تجرأ أن ينام وقلبه مليء بالسواد.
المؤلم أكثر، أن بعضهم يتقن دور “المتدين”…
يتحدث عن الأخلاق، وينصح الآخرين، ويظهر بمظهر الصالح…
بينما أفعاله في الخفاء تهدم ما يبنيه بلسانه في العلن.
هذا أخطر أنواع الفساد… فساد مغلف بالدين.
في النهاية،
لن تسقط لأن غيرك حفر لك…
بل يسقط من حفر، يوم تنكشف نواياه.
ولن ينقص رزقك لأن أحدهم حسدك…
لكن قد ينقص قلبه هو، حتى يختنق بحقده.
رسالة أخيرة:
إن لم تستطع أن تكون سببًا في نجاح الآخرين…
فلا تكن سببًا في كسرهم.
ارفع نفسك، بدل أن تنشغل بإسقاط غيرك.
نظّف قلبك، قبل أن تُظهر تقواك.
فالإنسان الحقيقي… لا يُعرف بكثرة عبادته فقط، بل بنقاء قلبه..
