في خضم التدهور الاقتصادي المريع الذي ينهش في جسد الدولة السودانية، يبرز تساؤل ملحّ يتداوله الشارع السوداني والصالونات السياسية على حد سواء: لماذا يتمسك الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالدكتور جبريل إبراهيم في سدة وزارة المالية؟ رغم أن كل المؤشرات الاقتصادية والواقع المعيشي يشيران إلى فشل ذريع تجاوز مرحلة “الأزمة” ليدخل بالبلاد نفق “الانهيار الشامل”.
سياسة الجباية: عندما تصبح المالية “خصماً” للمواطن
تحت قيادة جبريل إبراهيم، تحولت وزارة المالية من مخطط للنمو ومنظم للاقتصاد إلى “جهاز للجباية” بامتياز. السياسات الضريبية القاسية، ورفع الدعم المستمر، وفرض الرسوم المبتكرة على كل حركة وسكون، أثقلت كاهل المواطن الذي يعاني أصلاً من ويلات الحرب والنزوح.
المفارقة الكبرى أن السودان يمتلك موارد ضخمة، على رأسها الذهب والصادرات الزراعية والحيوانية، ومع ذلك، لا يلمس المواطن أثراً لهذه الموارد في معاشه. بل تثار تساؤلات مشروعة حول مصير إيرادات الذهب والقنوات التي تصب فيها، في ظل اتهامات مستمرة بمحاباة في توزيع المقدرات المالية لصالح جهات أو أطياف بعينها، مما يكرس حالة من “الإقصاء الاقتصادي” وتعميق الهوة الطبقية.
وزير بـ “بندقية”: معادلة المحاصصة القاتلة
يكمن السر الحقيقي وراء بقاء جبريل في منصبه -رغم الإخفاق المشهود- في هويته السياسية والعسكرية. هو هنا ليس مجرد “تكنوقراط” يمكن استبداله بجرّة قلم، بل هو رئيس “حركة العدل والمساواة”؛ القوة العسكرية التي تشكل ركيزة أساسية في تحالف “اتفاق جوبا للسلام”.
هذا “الظهير العسكري” يجعل من إقالة جبريل قراراً أمنياً قبل أن يكون اقتصادياً. ويبدو أن البرهان يخشى أن تؤدي إقالته إلى فك الارتباط مع حركات الكفاح المسلح، في وقت تحتاج فيه القوات المسلحة لكل حليف في معركتها الوجودية الحالية. وبذلك، يُنظر لبقاء جبريل كـ “ضمانة” لاستمرار هذا الدعم، ما يجعل وزارة المالية “ثمناً سياسياً” يُدفع من جيب المواطن السوداني لضمان استقرار التحالف العسكري.
أمانة المال العام.. في كف عفريت
إن تحويل مفاصل الدولة إلى إقطاعيات وتوجيه الموارد لخدمة أجندات تنظيمية أو جهوية تحت غطاء “الضرورة العسكرية”، ينسف تماماً مفهوم دولة المؤسسات. إن فشل جبريل في إدارة المعادلة الاقتصادية ليس مجرد عجز فني، بل هو نتاج لسياسة آثرت الولاء على الكفاءة، وقدمت “البندقية” على “رغيف الخبز”.
رسالة إلى البرهان: قبل فوات الأوان
على رئيس مجلس السيادة أن يدرك أن الاستمرار في هذه “المجاملة السياسية” على حساب لقمة عيش السودانيين هو مقامرة بمستقبل الدولة نفسها. إن استمرار نهج “دولة الجباية” وسيطرة عقلية “المحاصصة” على الموارد المالية سيؤدي حتماً إلى تآكل الحاضنة الشعبية للمؤسسة العسكرية، وانهيار ما تبقى من هيكل الدولة، وتغذية الصراعات الجهوية بسبب غياب العدالة.
اخر الكلام :
إن إنقاذ السودان يبدأ من تحرير “وزارة المالية” من قبضة الترضيات، وإعادتها إلى دورها القومي كراعية لمعاش الناس، لا كخزينة لدفع فواتير الولاءات. فهل يجرؤ البرهان على تصحيح المسار قبل أن تبتلع “دولة البندقية” ما تبقى من رمق في جسد الوطن؟
