في البحر الأحمر، لا تُقاس القوة بما يُعلن في العواصم، بل بما يعبر بصمت في الممرات البحرية.
يتحول البحر الأحمر تدريجيًا إلى خط تماس جيوسياسي بين واشنطن وطهران، فيما تحاول القوى الإقليمية إعادة ضبط ميزان الأمن في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. بل أصبح اليوم ساحة اختبار مكشوفة لتوازنات القوة في النظام الدولي، حيث تتقاطع التجارة العالمية مع الحسابات العسكرية، وتتداخل تدفقات الطاقة مع هندسة النفوذ الجيوسياسي.
الممر الذي يمر عبره جزء معتبر من تجارة العالم، بما في ذلك شحنات النفط والسلع الاستراتيجية، بات جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز الجغرافيا التقليدية للأمن الإقليمي. فأي اضطراب فيه لم يعد حدثًا هامشيًا، بل عاملًا قادرًا على إعادة تسعير الطاقة عالميًا، وتعطيل سلاسل الإمداد، ورفع كلفة التجارة الدولية في وقت قياسي.
في هذا السياق، يضيف التوتر الممتد بين واشنطن وطهران طبقة جديدة من التعقيد الاستراتيجي. فالصراع بين الطرفين، الذي ظل طويلًا محصورًا في ملفات نووية وعقوبات اقتصادية، بات يمتد تدريجيًا إلى فضاءات غير مباشرة، تتصدرها الممرات البحرية الحيوية. ويبرز البحر الأحمر، ولا سيما مضيق باب المندب، كنقطة تقاطع حساسة لهذا التنافس المتعدد الأبعاد.
غير أن طبيعة هذا التنافس لا تتخذ شكل المواجهة المباشرة بقدر ما تعكس حالة ضغط استراتيجي ممتد: تعدد فاعلين، تداخل أدوات التأثير، واتساع دور الشبكات غير النظامية في إدارة النفوذ البحري. وفي هذا المشهد، يصبح التحكم في الممرات البحرية أداة لإعادة توزيع القوة الاقتصادية، بقدر ما هو مسألة أمنية.
أمام هذا الواقع، تبرز الدول المطلة على البحر الأحمر باعتبارها خط التماس الأول مع المخاطر والفرص معًا. وفي مقدمتها السعودية والسودان، حيث يتطور التعاون بينهما من تنسيق أمني تقليدي إلى بنية أكثر تركيبًا تشمل مراقبة السواحل، تبادل المعلومات، وتعزيز قدرات مكافحة التهريب والأنشطة غير المشروعة.
لكن هذا التعاون لم يعد يُقرأ من زاوية أمنية بحتة. فالأمن البحري بات مرتبطًا بشكل مباشر بالاقتصاد: حماية خطوط التجارة، ضمان تدفق الطاقة، وتقليل مخاطر الاضطراب في الموانئ وسلاسل الإمداد. وبذلك، يصبح الاستقرار شرطًا لاستمرار الحركة الاقتصادية في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وليس مجرد خيار سيادي.
في موازاة ذلك، تحاول مبادرات إقليمية مثل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بلورة نموذج للأمن الجماعي. غير أن هذا النموذج لا يزال في طور التشكل، ويواجه تحديات تتعلق بتفاوت القدرات، وتباين الأولويات الوطنية، واستمرار حضور القوى الدولية في صياغة معادلات الأمن البحري.
في المحصلة، لم يعد البحر الأحمر هامشًا في الجغرافيا السياسية، بل أصبح مركز ثقل متقدم في إعادة تشكيل النظام البحري العالمي. إنه فضاء تتقاطع فيه الطاقة بالتجارة، والسيادة بالنفوذ، والأمن بالاقتصاد.
وفي هذا الإطار، لا يبدو التعاون السعودي–السوداني مجرد ترتيب ثنائي، بل جزءًا من محاولة أوسع لإدارة منطقة تتحول بسرعة إلى أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: من يسيطر على البحر الأحمر؟ بل: كيف يمكن حوكمته في عالم يتزايد فيه عدم اليقين؟
د. نفيسة إبراهيم الأمير
