الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالاتنظرة قبل العناق: لحظة تعيد رسم موازين القوى في دارفور بقلم: أمين...

نظرة قبل العناق: لحظة تعيد رسم موازين القوى في دارفور بقلم: أمين أحمد ود الريف


في تلك اللحظة الخاطفة، لم يكن الصمت فراغاً، بل كان لغةً سياسية مكتملة الأركان؛ فنظرات الفريق أول عبد الفتاح البرهان كانت ثابتة وحادة، تقيس الموقف ببرود عسكري معهود، بينما ردّ النور قبة النظرة بثقة رجلٍ خرج لتوّه من أتون معركة استنزاف طويلة. وقبل أن تتشابك الأيدي في عناق رسمي، بدا المشهد أقرب إلى “اختبار إرادات” صامت؛ حيث أفصحت العيون عما تعجز عنه البيانات، وقُرئت الرسائل الاستراتيجية في لغة الجسد قبل الكلمات.
لم يكن هذا العناق مجرد بروتوكول اجتماعي، بل كان بمثابة “زلزال سياسي” بوقع عسكري؛ إذ يمثل خروج قبيلة المحاميد من عباءة قوات الدعم السريع تحولاً جوهرياً في معادلة القوة داخل إقليم دارفور. نحن الأن أمام عملية إعادة تموضع كبرى، تعكس تغيراً في الولاءات الاجتماعية والعسكرية في لحظة هي الأكثر حرجاً في تاريخ الصراع السوداني. وبمنطق توازن القوى، نشهد اليوم انتقال كتلة بشرية صلبة وخبرة ميدانية تراكمية من ضفة إلى أخرى، مما يفرض إعادة رسم خرائط النفوذ على الأرض.
وبالنظر إلى مستقبل السيناريوهات، تقف دارفور اليوم أمام ثلاثة مسارات مفصلية:
الأول:تهدئة نسبية تقودها القوى المحلية عبر ترتيبات ميدانية جديدة.
الثاني: إعادة تشكّل التحالفات، حيث تُصاغ الخريطة الأمنية وفقاً لموازين القوى المستجدة.
الثالث: خطر التصعيد المحدود في حال تصادمت الأطراف على الموارد والمواقع الحيوية.
وتكمن نقطة القوة الضاربة للمحاميد في شبكاتهم الاجتماعية الممتدة، لكن التحدي الوجودي يظل رهيناً بمدى قدرتهم على تحويل هذا الزخم القبلي إلى قوة تنظيمية ومؤسسية مستقرة.
وعلى المدى المنظور، تظل الأولوية القصوى هي “رأب الصدوع” الأمنية ومنع الاحتكاكات المحلية الدامية. أما الرهان الاستراتيجي طويل الأمد، فيعتمد على قدرة القيادات الجديدة على بناء شراكات سياسية وتنموية عابرة للحدود، لا سيما مع الجارة تشاد، لضمان استدامة هذا التحول.
ويبقى القول الفصل، إن هذا العناق قد يُخلّد في الذاكرة السياسية بوصفه “لحظة فاصلة”؛ لحظة لم تعد فيها القوة تُقاس بحجم الحشد العسكري فحسب، بل بالقدرة على إعادة هندسة المشهد السياسي بأدوات أكثر تعقيداً وواقعية، إيذاناً ببدء فصل جديد في رواية دارفور المثقلة بالتحديات.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات