في الريف حيث لا يوجد تعقيد في اللغة ، ولا تكلّف في التعبير ، تُقال الحقيقة كما هي ، بلا رتوش ولا زخرفة ، هناك في جلسات القهوة التي تتوزع بين أطراف النهار وضل العصاري ، لا يحتاج الناس إلى نشرات الأخبار ولا إلى تحليلات الخبراء ، فكل ما في البلاد تحمله أحاديثهم ، ويتشكّل بوعي بسيط لكنه عميق.
كعادتهم يتحلّقون حول فناجين القهوة ، يتجاذبون أطراف الحديث ، وكان شأن البلاد حاضرًا في صدارة انسهم ، كما هو الحال منذ أن اشتعلت الحرب وأحرقت ما تبقى من طمأنينة السودانيين ، لم يعد هناك بيت لم تمسّه نارها ، ولا قلب لم يذق مرارة حرقتها ، حرب فرضت نفسها على تفاصيل الحياة ، وسكبت سمّها في يوميات الناس ، وسط صمت دولي يثير الريبة أكثر مما يبعث على الدهشة ، كأنما تُدار المأساة ببرود متفق عليه.
سأل أحدهم وهو يرشف فنجانه ، الجديد شنو في ساحة المعارك؟ ، جاءه الرد سريعًا ، بنبرة تحمل شيئًا من الترقب ، المُسيّرات شغّالة طقع نضيف في الجنجويد ، تدخّل آخر مستبشرًا ، النهاية قربت الجماعة بدوا يسلّموا نفسهم ، شفت استسلام النور قبة؟ ، بين الأمنيات والأمل ، تتأرجح كلماتهم فالأخبار مهما بدت صغيرة ، تتحول إلى إشارات كبيرة في عيون أنهكتها الحرب وتعلّقت بأي بارقة خلاص ، تنهي وجود المليشيا ومن ساندها ، لكن الحديث لم يتوقف عند الميدان ، بل امتد إلى السياسة ، إلى تلك المؤتمرات التي تُعقد بعيدًا عن تراب هذا البلد ، سأل أحدهم ساخرًا ، ومؤتمر برلين دا شنو؟ ، ثم أردف دون انتظار دا مؤتمر العطالى والفاشلين ،
ضحكوا جميعهم قبل أن يتكفّل أحدهم بتقديم التشبيه الذي لخص كل شيء ، بلغته البسيطة التي لا تخطئ الهدف ، ياخ دا عامل زي جنا الجضيع من بت اللمين ، ثم سرد الحكاية ، بت اللمين قالوا حامل ، والناس فرحانة، والضبايح تسوي شخ ، والحبوبة قالت كان بت يسموها عليها وكان ولد علي المرحوم جدو ، ثم تبيّن في النهاية الأمر ان بت اللمين ليست حاملًا بل مصابة بمرض الاستسقاء.
ساد صمت قصير كأن القصة لم تكن عن بت اللمين وحدها ، بل عن كثير من الوعود التي قُدّمت لهذا البلد ثم تبخرت ، عن مؤتمرات تُعقد وتنفض ، وبيانات تُصدر ، وضجيج يملأ الفضاء ، لكنه لا يغيّر شيئًا على الأرض ، وقبل أن ينفضّ الجمع ، جاء صوت من طرف الحلقة ، كأنه يضع الخاتمة التي لا تحتاج إلى تعليق ، الحفلة اتفرتقت… والولية كانت بتزغرد زي المجنونة ، والجماعة طلعوا يقلبوا في إيديهم ، وخشمهم اغباش زي الزول الماكل مَرَرُوة(فول سوداني محمص) ، هكذا وببساطة الريف وصدق عبارته ، يختصر المشهد كله فرحٌ متخيَّل ، ونهاية خائبة ، لمن اتسعت أحلامهم.
في الريف هناك اناس لا يملكون ترف اللغة الدبلوماسية ، لكنهم يملكون ما هو أهم ، القدرة على رؤية الأشياء كما هي ، يعرفون أن الحرب لا تُحسم بالتصريحات ، وأن مصير البلاد لا يُصنع في قاعات بعيدة عن معاناة أهلها ، وبين فنجان قهوة وآخر ، يستمر الحديث… لا بحثًا عن تسلية ، بل محاولة لفهم ما يجري ، وللتشبث بأي أمل ، ولو كان صغيرًا ، في أن تنتهي هذه الحرب الثقيلة يومًا ما بالثأر للحرائر والأبرياء… لنا عودة.
