saeed.abuobida5@gmail.com
لم يعد ارتفاع الأسعار في السودان مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يثقل كاهل المواطن، في ظل تداخل عوامل خارجية وداخلية. فالقصة تبدأ من ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، حيث تراوحت أسعار النفط بين 80 و100 دولار للبرميل، ما أدى إلى زيادة تكلفة استيراد الوقود.
هذا الارتفاع انعكس سريعاً على الداخل، إذ تم رفع أسعار البنزين والجازولين محلياً، لتبدأ موجة جديدة من الزيادات. فالوقود يدخل في تكلفة نقل ما يقارب 100% من السلع، وبالتالي فإن أي زيادة فيه تعني ارتفاعاً مباشراً في أسعار الغذاء والخدمات.
وفي ذات الوقت، جاء قرار رفع الدولار الجمركي من 2827.61 جنيه إلى 3222.80 جنيه، بنسبة 14%، ليضيف عبئاً جديداً على تكلفة الاستيراد. ومع العلم أن الدولار الجمركي كان في حدود 2000 جنيه بداية 2025، فقد ارتفع بنسبة تقارب 61% خلال فترة قصيرة، بينما قفز منذ عام 2021 من 28 جنيه إلى أكثر من 3222 جنيه، أي بنسبة تتجاوز 11400% .
هذه الأرقام تفسر لماذا ارتفعت أسعار السلع بنسب تتراوح بين 20% و50%، ولماذا تراجعت القوة الشرائية للمواطن بشكل حاد. فدخل شهري يبلغ 100 ألف جنيه لم يعد يعادل سوى 70 ألف جنيه فعلياً بعد ارتفاع الأسعار بنسبة 30% .
وسط هذه الضغوط، يبرز دور البنك المركزي السوداني كجهة أساسية في محاولة إيقاف تدهور قيمة الجنيه. فاستقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم أدوات كبح التضخم، لأن أي تراجع في قيمة العملة يؤدي مباشرة إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد، ومن ثم زيادة الأسعار.
لكن جهود البنك المركزي وحدها لا تكفي، إذ يتطلب الوضع تنسيقاً كاملاً مع وزارة المالية. فنجاح السياسات الاقتصادية يعتمد على تكامل السياسة النقدية مع السياسة المالية، من خلال ضبط السيولة، وتقليل العجز، وتخفيف الأعباء على الإنتاج والاستيراد، وإدارة سعر الصرف بشكل أكثر استقراراً.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف. فهو لا يواجه فقط آثار التضخم وارتفاع الأسعار، بل يعيش أيضاً تداعيات الحرب القائمة، التي أثرت على مصادر الدخل والاستقرار.
في النهاية، المسألة ليست مجرد أرقام ترتفع هنا أو هناك، بل هي حياة يومية تزداد صعوبة. فكل زيادة في الوقود أو الدولار الجمركي تعني عبئاً جديداً على الأسرة، وكل تراجع في قيمة الجنيه يعني أن الجهد الذي يبذله المواطن لم يعد يكفي كما كان. ما يحتاجه الناس اليوم ليس فقط قرارات، بل استقرار حقيقي يشعرون به في أسعار السلع وفي قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
