في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بسلامة النقل النهري، دشّنت الدولة آلية تنسيقية مشتركة بين قوات الدفاع المدني وهيئة الملاحة النهرية، بهدف تنظيم العمل في المواعين النهرية، ومراجعة اشتراطات السلامة، ورفع مستوى الرقابة والتفتيش على هذا القطاع الحيوي.
هذه الخطوة لا يمكن النظر إليها كإجراء إداري عابر، بل باعتبارها استجابة ضرورية لواقع ظل لسنوات يعاني من اختلالات في الالتزام بمعايير السلامة، وضعف في الرقابة، وتراجع في الجاهزية التشغيلية، وهو ما أسهم في وقوع حوادث مؤلمة أودت بحياة عدد من المواطنين في مناطق مختلفة.
إن أهمية هذه الآلية تكمن في كونها تجمع بين جهتين أساسيتين في إدارة ملف السلامة: الدفاع المدني بخبرته في الإنقاذ والاستجابة للطوارئ، وهيئة الملاحة النهرية باعتبارها الجهة التنظيمية المشرفة على تشغيل وتنظيم النقل النهري.
هذا التكامل من شأنه أن يخلق منظومة أكثر صرامة وفاعلية في الرقابة والمتابعة.
لكن نجاح هذه الجهود لا يتوقف على المؤسسات وحدها، بل يرتبط بشكل مباشر بسلوك المواطنين ومستخدمي المواعين النهرية. فالكثير من الحوادث التي تقع لا تعود فقط إلى ضعف الرقابة، بل أيضاً إلى غياب الالتزام بإجراءات السلامة الأساسية، مثل تحميل القوارب فوق طاقتها، أو عدم توفر سترات النجاة، أو تجاهل شروط التشغيل الآمن.
ومن هنا تأتي الرسالة الأهم التي يجب أن تصل بوضوح: السلامة ليست خياراً، بل ضرورة. والالتزام بإجراءاتها لا يحمي الفرد فقط، بل يحمي أسرته ومجتمعه بالكامل.
كما أن التحذير من مخاطر الغرق في الممرات النهرية لا ينبغي أن يُنظر إليه كخطاب موسمي، بل كوعي دائم يجب ترسيخه، خاصة في المناطق التي يعتمد سكانها على النقل النهري بشكل يومي. فبساطة الوسيلة لا تعني أبداً أنها آمنة دون ضوابط.
إن توفير سبل الوقاية، مثل التزام القوارب بالمواصفات الفنية، وتوفير أدوات الإنقاذ، والتقيد بعدد الركاب، إلى جانب التوعية المستمرة، يمثل خط الدفاع الأول للحد من الكوارث النهرية.
وتكتسب الآلية الجديدة أهميتها أيضاً من كونها تفتح الباب أمام حملات تفتيش وتوعية أكثر انتظاماً، إضافة إلى إدخال خدمات نوعية مثل الإسعاف النهري والإطفاء، وهو ما يعزز القدرة على الاستجابة السريعة عند وقوع الحوادث، ويقلل من حجم الخسائر البشرية.
لكن يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس على الأرض، بعيداً عن الإجراءات النظرية، عبر دعم مالي ولوجستي مستمر، وتنسيق فعّال بين الولايات والجهات المختصة، إضافة إلى رفع مستوى وعي المواطنين.
قطفة اخيرة
في النهاية، يمكن القول إن النقل النهري سيظل شرياناً مهماً للحياة والتنقل، لكنه يحتاج إلى انضباط صارم وثقافة سلامة راسخة. فكل رحلة آمنة تبدأ بقرار بسيط: الالتزام بالاشتراطات… لأن الوقاية في الماء لا تحتمل التأجيل.
