مهدي داود الخليفة
في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، لم تعد الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 مجرد صراع على السلطة بين جنرالات، بل تحوّلت إلى كارثة وطنية شاملة تهدد وجود الدولة نفسها. الأرقام التي كشف عنها المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، فيليب كروبف، ليست مجرد إحصاءات إنسانية، بل هي شهادة دامغة على فشل القيادة العسكرية في إدارة الدولة؛ إذ يحتاج أكثر من 33.7 مليون سوداني إلى مساعدات عاجلة، بينما يواجه نحو 19 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. هذه ليست حرباً بالمعنى التقليدي، بل مسار متسارع لانهيار الدولة وتقويض أسسها.
لقد أدى استمرار القتال إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتعطيل شبه كامل لمؤسسات الدولة، مع خروج أعداد كبيرة من المرافق الصحية عن الخدمة وتوقف قطاعات الإنتاج الحيوية، وعلى رأسها الصناعة والزراعة. غير أن الخسارة الأعمق تكمن في تآكل رأس المال البشري، حيث يقف أكثر من 13 مليون طفل خارج النظام التعليمي، في مؤشر خطير على ضياع جيل كامل. وعلى الصعيد الاقتصادي، تكشف التقديرات عن انهيار غير مسبوق؛ فقد بلغ الرصيد الرأسمالي للسودان عند اندلاع الحرب نحو 600 مليار دولار، وخسر الاقتصاد خلال عام واحد ما يقارب 30 مليار دولار، مع تدمير نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قد ترتفع الخسائر إلى حدود 200 مليار دولار إذا استمرت الحرب. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تراجع اقتصادي، بل تشير إلى انهيار هيكلي عميق يتطلب ما لا يقل عن عقدٍ كامل لإعادة البناء، في وقتٍ فقد فيه السودان فرصة تاريخية للإعفاء من ديونه والحصول على دعم دولي مباشر كان يتجاوز مليار دولار سنوياً. وتزداد خطورة المشهد مع تدمير عوامل الإنتاج نفسها، إذ أصبح القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدر عيش لنحو 70% من السكان، مشلولاً بفعل الحرب، بينما يعاني الجهاز المصرفي من ضعف حاد، مع ارتفاع الديون المتعثرة وخروج الكتلة النقدية من النظام المصرفي، بما يقوض أي إمكانية حقيقية لتعافي الاقتصاد.
ورغم هذا الانهيار الشامل، فإن ما يثير القلق العميق هو الإصرار غير المفهوم من القيادة العسكرية، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، على الاستمرار في حربٍ بلا أفق سياسي، ولا مشروع وطني، ولا حتى تصور لإنهائها. إنها حرب تُدار بلا استراتيجية دولة، بل بعقلية البقاء في السلطة، مهما كان الثمن، وهو ما يضع البلاد أمام مسار مفتوح على مزيد من التدهور والتفكك.
في هذا السياق، لم يعد مقبولاً أن تظل القوى السياسية والمدنية في موقع المتفرج. إن المسؤولية التاريخية تفرض عليها الانتقال من حالة التردد والانقسام إلى موقع الفعل والتأثير، عبر بلورة موقف وطني موحد يرفض استمرار الحرب وينزع عنها أي غطاء سياسي. فالتجربة السودانية أثبتت أن الشارع، حين يتوحد خلف رؤية واضحة، قادر على فرض معادلات جديدة، وهو ما يستدعي إعادة تفعيل أدوات الضغط السلمي، من تنظيم جماهيري واسع إلى استعادة روح المبادرة التي جسدتها ثورة ديسمبر.
إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق:
الأحزاب السياسية
منظمات المجتمع المدني
النقابات المهنية
القيادات الفكرية
وهذه المسؤولية لا تقبل الحياد أو التردد.
المطلوب الان من هذه القوي:
توحيد الجبهة المدنية فوراً
لا يمكن مواجهة سلطة السلاح بتشتت القوى المدنية. المطلوب هو:
تشكيل جبهة مدنية موحدة
الاتفاق على برنامج حد أدنى: وقف الحرب و انتقال مدني ديمقراطي
إعلان موقف سياسي صريح: لا شرعية للحرب
يجب أن تعلن القوى السياسية بوضوح:
رفض استمرار الحرب
نزع الشرعية السياسية عن أي طرف يواصلها
تحميل القيادة العسكرية المسؤولية الكاملة
التحرك الجماهيري السلمي
التاريخ السوداني يؤكد أن الشارع هو الحاسم:
تنظيم احتجاجات سلمية
إعادة بناء لجان المقاومة
تفعيل العصيان المدني كأداة ضغط
تدويل الأزمة بشروط وطنية
بدلاً من ترك الملف للقوى الإقليمية والدولية:
مخاطبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي
المطالبة بوقف إطلاق نار ملزم
طرح رؤية مدنية سودانية للحل
بناء بديل سياسي حقيقي
المشكلة ليست فقط في الحرب، بل في غياب البديل:
تشكيل قيادة مدنية انتقالية موثوقة
إعداد برنامج لإعادة الإعمار
إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية
ما يحدث في السودان اليوم ليس صراعاً عسكرياً فقط، بل هو:
صراع بين منطق الدولة ومنطق المليشيا
بين مشروع وطني ومصالح ضيقة
بين المستقبل والانهيار
ولهذا، فإن هزيمة الحرب لا تكون بالسلاح، بل بإرادة سياسية مدنية منظمة.
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحرب إلى “وضع طبيعي”.
حينها:
تتآكل الدولة تدريجياً
يتعمق الانقسام الاجتماعي
يصبح التقسيم أمراً واقعاً
وهذا هو السيناريو الذي يجب منعه بأي ثمن.
إن البلاد تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في هذا المسار المدمر بكل ما يحمله من خسائر بشرية واقتصادية تهدد وجود الدولة، أو الانخراط في تحرك وطني جاد يضع حداً للحرب ويفتح الطريق أمام استعادة الدولة وبنائها على أسس جديدة. إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يغفر الصمت في لحظات المصير، والمطلوب اليوم ليس بيانات إدانة، بل فعل سياسي منظم وشجاع يضع حداً لهذه الحرب العبثية.
السؤال لم يعد: متى تنتهي الحرب؟
بل أصبح:
من يملك الشجاعة و الارادة لإنهائها و إنقاذ السودان قبل فوات الأوان؟
