الخميس, مارس 26, 2026
الرئيسيةمقالاتحين يترجل الأوفياء تبقى المواقف شاهدة وتبكي القلوب صامتة

حين يترجل الأوفياء تبقى المواقف شاهدة وتبكي القلوب صامتة

مسارب الضي | د. محمد تبيدي

وعلى حد قولي:
إذا الرجال تقهقروا يوم الوغى خذلوا
يبقى الذي ثبتت خطاه هو الأملُ
يمضي ويترك في الضمير حكايةً
أن الوفاء على الزمان هو الأصلُ

في زمنٍ تتداخل فيه الحقائق مع الضجيج، وتضيع فيه المواقف بين زيف الشعارات وتكالب المصالح، يترجل من بيننا رجلٌ لم يكن عادياً في حضوره ولا في أثره، رجلٌ حمل الوطن في حدقات العيون حين انكسرت المرايا وسقطت الأقنعة، العميد طبيب طارق الهادي كجاب، الذي لم يكن مجرد ضابطٍ في السلاح الطبي، بل كان صوتاً صادقاً في زمن الصمت، وصورةً ناصعة في وقتٍ بهتت فيه الألوان.
منذ بدايات معركة الكرامة، حين كانت البلاد على مفترق طرق، والناس تترقب في خوفٍ وأمل، برز د. طارق الهادي كجاب كواحدٍ من القلائل الذين اختاروا الوقوف في الصف الأمامي، لا بالسلاح وحده، بل بالكلمة، وبالمعلومة، وبالحضور الذي لا يعرف الغياب. في وقتٍ غابت فيه الآلة الإعلامية أو تراجعت، كان هو نافذة الشعب على الحقيقة، ينقل الأحداث من قلب الميدان، دون تزييف أو تهويل، بل بصدقٍ يليق بوطنٍ ينزف.
كان الناس ينتظرون صوته كما ينتظرون بشائر الفرج، كما كانوا يترقبون هدير الطائرات في سماء المعركة، تلك الطيارة (سارة) التي كانت ترسم ملامح الردع في مواقع الاشتباك، من قندهار إلى تحت كبري ود البشير، ونحن علي يقين انت سلاح الجوي لا يجند فتيات ولكنها كانت امل حتي ولو زائف حيث كانت المعارك تكتب بدماء الشرفاء، كان كجاب يكتب بالكلمة المسؤولة التي لا تخون ولا تتردد.
لم يكن حضوره مجرد تغطية للأحداث، بل كان مشاركة وجدانية حقيقية، إحساساً عميقاً بمعاناة الناس، وإدراكاً واعياً لحجم المسؤولية. لذلك لم يغب يوماً عن المشهد، ولم يتراجع حين اشتدت الضغوط، ولم يساوم حين اختلطت المواقف. ظل ثابتاً، ظاهراً، قريباً من الناس، كأنما يحمل الوطن في قلبه لا في موقعه فقط.
ولأن الرجال يُعرفون في الشدائد، فقد عرفه الشعب السوداني في لحظات الاختبار الكبرى، فكان على قدر التحدي، بل وأكثر. لم يبحث عن الأضواء، لكنها جاءت إليه، ولم يسعَ إلى الأوسمة، لكنها لاحقته، حتى توّج بوسام الوطنية من الدرجة الرفيعة، وهو تكريم لا يعكس فقط تقديراً رسمياً، بل يعبر عن إجماع شعبي على قيمة الرجل ومكانته.
غير أن ما يوجع القلب، ويستدعي الوقوف طويلاً، ليس فقط لحظة ترجل هذا الرجل، بل ما يصاحبها من أصواتٍ نشاز، تحاول أن تنال من القامات حين تعجز عن بلوغها. أصواتٌ خرجت من هوامش المجتمع، تتحدث بسطحيةٍ مؤلمة، وتصف الرجل بما لا يليق، في مشهدٍ يعكس اختلالاً أخلاقياً قبل أن يكون اختلافاً في الرأي.
إن الإساءة إلى الرموز الوطنية ليست حرية تعبير، بل سقوط في مستنقع الجحود، ومحاولة بائسة لتشويه ما لا يمكن تشويهه. فالرجل الذي ظل صامداً في وجه العواصف، لا تهزه كلمات عابرة، ولا تنال منه تعليقات عابثة، لأن ما بينه وبين الشعب أكبر من أن يُكسر، وأعمق من أن يُختزل في رأيٍ طائش أرادت (الحضرانه) ان تخرجه من قاع المجتمع بمنشور في صفحتها.
لقد أثبت د. طارق الهادي كجاب أن الوطنية ليست شعارات تُرفع، بل مواقف تُعاش، وأن الجندية ليست رتبة تُحمل، بل شرف يُصان، وأن الانتماء الحقيقي للوطن يظهر حين تضيق الدروب وتتعاظم التحديات. لذلك لم يكن غريباً أن يحظى بكل هذا الحب، ولا مستغرباً أن يترك كل هذا الأثر.
ترجّل الرجل، نعم، لكن أثره لم يترجل، بل بقي حاضراً في وجدان الناس، وفي ذاكرة مرحلةٍ لن تُنسى. بقي في كل كلمة صدق قالها، وفي كل موقف شجاعة اتخذه، وفي كل لحظة طمأن فيها شعباً كان يبحث عن بصيص أمل في عتمة الأحداث.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تُنجب من رجال، وما تحفظه من قيم. ود. طارق الهادي كجاب واحدٌ من أولئك الذين يرفعون رأس الوطن عالياً، ويثبتون أن السودان، رغم كل ما يمر به، لا يزال قادراً على إنجاب من يحمونه، ويقفون في وجه الانكسار.
وفي لحظة التقدير هذه، لا نملك إلا أن نرفع القبعات احتراماً لرجلٍ أدّى ما عليه وزاد، رجلٍ لم ينتظر شكراً، لكنه يستحق كل الشكر، ولم يسعَ إلى مجدٍ شخصي، لكنه صنع مجداً وطنياً سيظل يُروى.
شكراً من القلب د. طارق الهادي كجاب، لأنك كنت حين غاب الكثيرون، وثبتّ حين تراجع البعض، وصدقت حين تلوّن الآخرون. شكراً لأنك حملت الوطن في عينيك، وفي صوتك، وفي موقفك، وكنت مثالاً لما يجب أن يكون عليه الإنسان حين يختبره الزمن.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات