الخميس, مارس 26, 2026
الرئيسيةمقالاتالجمارك بين الإنجاز والإنصاف… هل يُكافأ النجاح أم يُغتال بالصمت؟

الجمارك بين الإنجاز والإنصاف… هل يُكافأ النجاح أم يُغتال بالصمت؟

بقلم: محيي الدين شجر
في بلدٍ يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والتحديات الأمنية، تبرز بعض المؤسسات كخط دفاع أول، لا بالسلاح وحده، بل بالإدارة الرشيدة والانضباط والعمل الدؤوب. ومن بين هذه المؤسسات، ظلت الجمارك السودانية نموذجًا يستحق الوقوف عنده، خاصة خلال الفترة التي تولى فيها الفريق صلاح أحمد إبراهيم قيادة هذه المنظومة الحساسة.
لقد شهدت تلك المرحلة تحولًا ملحوظًا، ليس على مستوى الأداء الإداري فحسب، بل في التأثير المباشر على الاقتصاد الوطني. ففي وقت كانت فيه الخزينة العامة تعاني من شُح الموارد، لعبت الجمارك دورًا محوريًا في رفدها بإيرادات معتبرة، بفضل سياسات أكثر صرامة وانضباطًا في التحصيل والرقابة.
ولم تقف الإنجازات عند هذا الحد، بل امتدت إلى ملف بالغ التعقيد والخطورة، وهو مكافحة التهريب، خاصة تهريب الذهب، الذي ظل لسنوات يستنزف الاقتصاد السوداني. كما حققت الجمارك نجاحات لافتة في التصدي لعمليات تهريب السلاح والمخدرات، في معركة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لما لها من تأثير مباشر على أمن المجتمع واستقراره.
وفي جانبها الإنساني والوطني، لم تكن الجمارك بمعزل عن قضايا البلاد، حيث ساهمت في دعم النازحين في ظروف بالغة التعقيد، ووقفت سندًا في معركة الكرامة، في تجسيد واضح لدورها كجهاز وطني يتجاوز المهام التقليدية.
وفي فترة المدير العام الفريق صلاح أحمد إبراهيم، فقد اتسم أداء الإدارة العامة للجمارك بالاستقرار والهدوء، وهو أمر لا يقل أهمية عن الإنجاز ذاته، إذ أعاد هذا الاستقرار الانضباط المؤسسي، ورسّخ بيئة عمل قائمة على المهنية والالتزام.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: هل من الحكمة إيقاف مسيرة بدأت تؤتي ثمارها؟ أم أن مصلحة البلاد تقتضي الاستمرار والبناء على ما تحقق؟
إن التمديد للمدير العام—لسنتين على الأقل بعد إكماله السن القانونية—لا ينبغي أن يُنظر إليه كخيار إداري عابر، بل كضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة. فالرجل تولى المسؤولية في ظرف استثنائي، ونجح في تحقيق قدر من التوازن بين الضبط المالي وتوجيه الموارد الوجهة الصحيحة، ما انعكس إيجابًا على الدولة ومؤسساتها.
إن التحديات التي تواجه السودان اليوم، خاصة في ملف الاقتصاد والتهريب والموارد، تتطلب الاستمرارية في السياسات الناجحة، لا القفز في المجهول عبر تغييرات غير مدروسة. فالمؤسسات لا تُبنى بالأشخاص فقط، لكنها تحتاج إلى قيادات تفهم تعقيدات المرحلة، وتملك رؤية واضحة وقدرة على التنفيذ.
كما أن الحفاظ على الكوادر المدربة داخل الجمارك، وتطوير البنية التقنية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة التهريب، كلها ملفات تحتاج إلى قيادة مستقرة تُكمل ما بدأته، لا أن تبدأ من الصفر في كل مرة.
إنها دعوة صريحة لاتخاذ قرار شجاع: دعم الاستقرار، ومكافأة النجاح، وتمكين من أثبتوا قدرتهم على العطاء… لأن الوطن اليوم لا يحتمل تجارب جديدة بقدر ما يحتاج إلى استكمال ما بدأ بنجاح.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات