فإن خبر تعيين أو إعفاء مسؤول حدثاً لا يستوقف الناس كما كان من قبل، بل صار مؤخرا خبراً يومياً عابراً، يُتداول في الأسافير قبل أن يُعلن رسمياً، حتى بات المعنيون أنفسهم يسمعونه من مواقع التواصل لا من مؤسساتهم.
هذه المفارقة وحدها تكفي لتكشف خللاً عميقاً في طريقة إدارة الدولة، ليس فقط في القرار، بل في هيبته أيضاً.
كنت قد هممت بالحديث عن الإعفاءات الأخيرة، لكنها في الحقيقة يا سادتي لم تفاجئ أحداً. فـ”المسرباتي” الذي أصبح جزءاً من المشهد السياسي، أدى مهمته مبكراً كعادته، ليصل الخبر إلى الجميع، بمن فيهم المعفيون أنفسهم. أمر غريب نعم، لكنه للأسف لم يعد جديداً.
قبل فترة، أشرت إلى أن الدكتورة لمياء عبدالغفار كانت تواجه محاولات إبعاد من موقعها، إما بالإعفاء أو بإعادة التوزيع. واليوم، وقد حدث ما حدث، لا يبدو الأمر مجرد قرار إداري بقدر ما يعكس صراعاً خفياً داخل دوائر السلطة.
فدكتورة لمياء، التي اجتازت مراحل التقييم بكفاءة عالية، لم تُقصَّر بقدر ما أُقصيت. وربما يكون في ذلك خير لها، وإن كان الوطن أولى بخبراتها.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بإلحاح سادتي هو لماذا هذا التوسع المستمر في تعيين المستشارين؟
هل تعاني الحكومة من نقص في الكفاءات داخل مؤسساتها؟ أم أن هناك حاجة حقيقية لمزيد من العقول خارج الأطر الرسمية؟
الأمر لا يقف عند حدود التعيين، بل يتجاوزه إلى طبيعة هذه المناصب. فبعض المستشارين يُمنحون صلاحيات أو مكانة تقارب الوزير، ما يخلق حالة من التداخل والارتباك في هياكل العمل. كيف تُدار وزارة بتراتبية واضحة، بينما يقف إلى جوارها مستشار بذات الثقل؟ وأين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟
المشكلة سادتي ليست في الأشخاص، بل في الفكرة نفسها. فحين تتضخم المناصب، تتآكل الفعالية، ويصبح الجهاز التنفيذي أكثر ازدحاماً وأقل إنتاجاً.
ثم نأتي سادتي إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية، زاوية “نقل الأصوات”،
حين تم تعيين الأستاذ خالد الإعيسر وزيراً للإعلام، لم يكن الاعتراض على شخصه، بل على موقعه. الرجل كان يمثل صوتاً قوياً في الفضاء الإعلامي، مدافعاً شرساً عن قضايا البلاد، حتى لُقّب شعبياً بـ”السخوي”. مثل هذه الأصوات، حين تُنقل من ساحات التأثير الحر إلى مقاعد السلطة، تفقد جزءاً من فاعليتها، وربما حريتها أيضاً.
والأمر ذاته يتكرر مع تعيين د. أمجد مستشاراً سياسياً. فبدلاً من أن يظل عقلاً مستقلاً ولساناً حراً، يصبح جزءاً من منظومة تفرض عليه حساباتها وحدودها.
وهذا أيضا سادتي ينطبق على الأستاذ حسن إسماعيل الذي إنتشر خبراً عن تعينه مستشارا اعلاميا لرئيس مجلس السيادة، وأعتقد أن القرار سيجعل السودان بخسر لسان صدق جديد ويحد من حريته وبريقه.
الريس يمكن أن بجد مستشارين غيرهم ولكن موقعهم في الساحة سيظل شاغراً.
إن الدولة القوية لا تخشى الأصوات الحرة، بل تستند إليها. ولا تحتاج إلى تكديس المستشارين بقدر حاجتها إلى وضوح الرؤية وتماسك المؤسسات.
في النهاية سادتي، ليست القضية في من يُعيَّن أو من يُعفى، بل في كيف تُدار الدولة ؟!!
