الأحد, مايو 3, 2026
الرئيسيةمقالاتهل تتحول "القوات المشتركة" إلى نسخة ثانية من الجنجويد؟ قراءة في سيناريوهات...

هل تتحول “القوات المشتركة” إلى نسخة ثانية من الجنجويد؟ قراءة في سيناريوهات ما بعد الحرب

تقرير تحليلي
صلاح الدين حميدة …

في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، برزت “القوات المشتركة” كطرف مسلح أساسي يقاتل إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، التي تُعرف شعبياً بـ”الجنجويد”. ومع اقتراب بعض جبهات القتال من الحسم، يطرح الشارع السوداني سؤالاً حساساً: هل يمكن أن تتحول هذه القوات الحليفة اليوم إلى متمرد جديد غداً؟

أولاً: من هي القوات المشتركة؟
القوات المشتركة ليست كياناً واحداً، بل تحالف لعدد من الحركات المسلحة التي تنحدر أصولاً من إقليم دارفور. أبرزها: حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان جناح مناوي، وتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، إضافة لفصائل أخرى. هذه الحركات حملت السلاح لعقدين ضد نظام المؤتمر الوطني السابق، ووقّعت اتفاق جوبا للسلام عام 2020، ودخلت على إثره مؤسسات الدولة.

بعد اندلاع حرب 15 أبريل، اتخذت هذه الحركات قراراً بالاصطفاف مع القوات المسلحة السودانية، وبررت ذلك بحماية المدنيين ورفض ما وصفته بـ”مشروع التغيير الديموغرافي” الذي تتهم به قوات الدعم السريع في دارفور.

ثانياً: أوجه التشابه والاختلاف مع تجربة “الجنجويد”
المخاوف من تكرار سيناريو “الدعم السريع” تنبع من 3 نقاط تشابه تاريخية:

  1. النشأة من رحم الحرب: مثلما نشأت مليشيات الجنجويد مطلع الألفينات كقوات قبلية مساندة للجيش ضد التمرد في دارفور، فإن القوات المشتركة اليوم تقاتل أيضاً كقوة مساندة للجيش في حرب مختلفة.
  2. التمركز الجغرافي: كلا القوتين لهما ثقل في دارفور وحواضن اجتماعية محددة، ما يمنحهما عمقاً محلياً.
  3. الطموح السياسي: قادة الجنجويد تحولوا لاحقاً إلى فاعل سياسي واقتصادي ضخم. وقادة الحركات المسلحة هم الآن وزراء وحكام أقاليم، ولديهم طموح مشروع في السلطة.

لكن هناك 4 اختلافات جوهرية تضعف فرضية “النسخة الثانية”:

  1. الشرعية السياسية: الحركات الموقعة على سلام جوبا هي جزء من العملية السياسية الانتقالية، ولها تمثيل في مجلسي السيادة والوزراء. الدعم السريع نشأ بقرار من البشير دون غطاء اتفاق سلام.
  2. الهيكل القيادي: القوات المشتركة متعددة القيادات ومرجعياتها مختلفة، ما يصعّب اتخاذ قرار جماعي بالتمرد. بينما كان الدعم السريع هرمياً يخضع لأسرة دقلو.
  3. العقيدة القتالية: خطاب الحركات المسلحة تأسس على “المظالم التاريخية” و”المهمشين” ورفع السلاح ضد المركز. أما الآن فهي تقاتل مع المركز ضد قوة تراها تهديداً وجودياً لدارفور نفسها.
  4. الوضع الاقتصادي: الدعم السريع بنى إمبراطورية اقتصادية مستقلة من الذهب والمرتزقة. بينما تعتمد الحركات المسلحة حتى الآن على ميزانية الدولة وتفتقر لمصادر تمويل ضخمة مستقلة.

ثالثاً: ما هي السيناريوهات المحتملة بعد الحرب؟

السيناريو 1: الاندماج في الجيش – الأقرب إذا نجح
اتفاق جوبا ينص على الترتيبات الأمنية ودمج قوات الحركات في جيش وطني موحد. إذا التزمت الدولة بدفع استحقاقات السلام، وتوفرت الإرادة السياسية لدمج عادل يراعي الرتب والتوزيع الجغرافي، فهذا يقلل خطر التمرد بشكل كبير. التحدي الأكبر هنا هو التمويل والثقة.

السيناريو 2: التوتر السياسي دون حرب شاملة – محتمل
قد تطالب الحركات بنصيب أكبر في السلطة والثروة بعد الحرب، باعتبارها “شريك انتصار”. إذا شعرت بالإقصاء أو “الغدر السياسي” كما حدث في تجارب سابقة، فقد تلجأ للتصعيد السياسي، إغلاق طرق، أو مناوشات محدودة للضغط، دون الانزلاق لحرب كاملة لأن كلفتها عالية على حواضنها المنهكة أصلاً.

السيناريو 3: التمرد المسلح – الأقل احتمالاً لكنه غير مستبعد
يرتفع هذا الاحتمال في حالتين: الأولى، انهيار الدولة المركزية نفسها بعد الحرب ودخول البلاد في فراغ أمني شامل. الثانية، حدوث انقسام داخل الجيش نفسه ومحاولة أحد الأطراف استقطاب الحركات ضد الآخر. هنا قد تجد بعض الفصائل نفسها مضطرة لحمل السلاح مرة أخرى لحماية مناطقها ومكاسبها. لكن تحوله إلى “نسخة من الجنجويد” أي قوة عابرة للأقاليم ذات مشروع توسعي، يظل ضعيفاً بسبب غياب التمويل والغطاء الإقليمي الذي توفر للدعم السريع.

رابعاً: ما الذي يمنع تكرار السيناريو؟

  1. الدرس المستفاد: الجيش والدولة والمواطن اكتووا بنار تجربة الدعم السريع. هناك حساسية عالية الآن تجاه أي قوة موازية للجيش، ما يخلق ضغطاً شعبياً ورسمياً لتسريع الدمج.
  2. الموقف الإقليمي: دول الجوار والإقليم لا ترغب في رؤية “دعم سريع جديد” يزعزع استقرار حدودها. الدعم الخارجي الذي حظي به حميدتي لن يتكرر بسهولة.
  3. إنهاك الحواضن: مجتمعات دارفور دفعت فاتورة باهظة في الحربين. لا يوجد حماس شعبي لحرب ثالثة تقودها نفس الوجوه.

الخلاصة
لا يمكن الجزم بالمستقبل في بلد مثل السودان، لكن المعطيات الحالية ترجح أن “القوات المشتركة” أمام مفترق طرق سياسي وأمني، وليس عسكري بالضرورة. تحولها إلى “جنجويد 2” يواجه عقبات بنيوية وتمويلية وسياسية كبيرة. الخطر الحقيقي ليس في نيتها، بل في فشل الدولة بعد الحرب في إدارة ملف الترتيبات الأمنية والسلام بعدالة، وفي ترك فراغ تملؤه الفوضى.

الضامن الوحيد هو: جيش وطني مهني واحد، وعملية سياسية شاملة لا تُقصي أحداً ولا تسمح بتكوين جيوش موازية، مع عدالة انتقالية تعالج جذور حمل السلاح من الأساس.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات