الثلاثاء, مارس 17, 2026
الرئيسيةمقالاتماذا قدّم إنسان دارفور للسودان؟…قراءة في رصيد التضحية ومفارقة التهميش

ماذا قدّم إنسان دارفور للسودان؟…قراءة في رصيد التضحية ومفارقة التهميش

الكاتب والمحلل السياسي/ زكريا علي عبدالرسول

    سؤال يتردد علي بعض الالسن التي لم تقرأ التاريخ  جيدا . سؤال دوافعة الخفية هي فرز اجتماعي علي حساب تماسك اللحمة الوطنية .ففي كل مرة يشتد فيها الجدل حول أزمات الدولة السودانية، يعود سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا قدّم إنسان دارفور لهذا الوطن؟
وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في عمقه يكشف خللاً في طريقة قراءة التاريخ الوطني، وفي ميزان الاعتراف المتبادل بين المركز والأطراف. فدارفور لم تكن يوماً هامشاً جغرافياً فقط، بل كانت — وما تزال — أحد الأعمدة الصلبة التي قام عليها البناء السوداني، رغم أن هذا البناء نفسه لم يمنحها ما تستحق من إنصاف.
لقد دخل إنسان دارفور التاريخ الوطني من بوابة الفعل لا الادعاء. فمنذ تشكّل السودان الحديث، ظل الإقليم خزّاناً بشرياً للدولة، يرفد مؤسساتها بالكفاءات، ويغذي أسواقها بالمنتجات الزراعية والحيوانية، ويشارك في حماية حدودها والدفاع عن سيادتها. لم يكن الحضور الدارفوري في الحياة العامة حدثاً طارئاً أو ظرفياً، بل كان امتداداً طبيعياً لدور تاريخي أقدم، حين كانت دارفور نفسها سلطنة ذات ثقل سياسي واقتصادي وثقافي في الإقليم.
●اقتصادياً، قدّم إنسان دارفور نموذجاً فريداً في القدرة على الإنتاج تحت أقسى الظروف. فالإقليم الذي عانى من ضعف البنية التحتية وشح الخدمات، ظل مع ذلك أحد أهم روافد الأمن الغذائي في السودان. الزراعة المطرية، وتربية الماشية، والتجارة التقليدية العابرة للحدود، كلها أنشطة أسهمت في إبقاء عجلة الاقتصاد الوطني دائرة في فترات كثيرة. ولم تتوقف هذه الإسهامات عند حدود الريف، بل امتدت إلى المدن الكبرى، حيث لعب أبناء دارفور دوراً بارزاً في تنشيط الأسواق والحرف والمهن الخدمية، ما جعل حضورهم الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للسودانيين.
● أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فقد حمل إنسان دارفور معه رصيداً ثرياً من القيم والعادات والتقاليد التي أغنت الشخصية السودانية الجامعة. ثقافة التعايش بين المكونات القبلية المختلفة، وقيم الكرم والتكافل والشجاعة، ليست مجرد شعارات رومانسية، بل هي ممارسات واقعية شكّلت لسنوات طويلة نموذجاً للاستقرار المجتمعي في بيئة معقدة. هذا التنوع الثقافي الذي ميّز دارفور كان يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة هائلة للدولة السودانية، لو أُحسن استثماره ضمن مشروع وطني جامع.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن أعظم ما قدّمه إنسان دارفور للسودان ربما لم يكن فقط ما أنتجه أو ما دافع عنه، بل ما كشفه من اختلالات عميقة في بنية الدولة نفسها. فالأزمات المتلاحقة التي شهدها الإقليم وضعت قضايا العدالة والتنمية المتوازنة والمواطنة المتساوية في صدارة النقاش الوطني. لقد أصبحت دارفور مرآة يرى فيها السودانيون ملامح أزمتهم البنيوية: مركز يتركز فيه القرار والثروة، وأطراف تدفع كلفة التهميش والصراع.
إن قراءة إسهامات إنسان دارفور بإنصاف تعني إعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية. فالوطن لا يُقاس بما يقدّمه المركز وحده، ولا بما تحققه النخب السياسية من مكاسب ظرفية، بل بما يراكمه الناس العاديون من جهد وصبر وتضحيات. ومن هذه الزاوية، يبدو إنسان دارفور شريكاً أصيلاً في صناعة السودان، لا مجرد ضحية لسياساته أو متلقٍ لنتائجها.
اليوم، ومع تعقّد المشهد السياسي والأمني، يصبح الاعتراف بهذا الرصيد ضرورة أخلاقية وسياسية في آنٍ واحد. فبناء دولة مستقرة وعادلة لا يمكن أن يتم دون رد الاعتبار لكل الأقاليم التي أسهمت في قيامها، وفي مقدمتها دارفور. إنصاف الإنسان الدارفوري ليس منّة من أحد، بل هو شرط من شروط بقاء السودان نفسه.
هكذا يظل السؤال مطروحاً، لكن بصيغة أكثر عمقاً:
ليس ماذا قدّم إنسان دارفور للسودان، بل ماذا سيفعل السودان ليكون جديراً بكل ما قدّمه إنسان دارفور.
                   ،،،سروري مع خالص تحياتي،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات