د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
شهد الشرق الأوسط منذ نهاية القرن العشرين تحولات سياسية واستراتيجية عميقة، ارتبطت بمتغيرات النظام الدولي وتبدل أولويات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تبلورت إحدى أهم المقاربات الفكرية في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة فيما عُرف بمفهوم الفوضى الخلّاقة، وهو مفهوم يشير إلى إحداث حالة من التحول وعدم الاستقرار المنظم داخل الأنظمة السياسية بهدف إعادة تشكيل البنى السياسية والاجتماعية بطريقة تسمح بإعادة بناء النظام الإقليمي وفق معادلات جديدة تخدم المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى. ومع تطور الأحداث خلال العقدين الأخيرين، بدأت هذه السياسة تنتقل تدريجيًا من مرحلة إحداث التحولات إلى مرحلة إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.
يُعد التدخل العسكري الأمريكي في العراق عام 2003 من أبرز الأمثلة التطبيقية لمفهوم الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط. فقد أدى إسقاط النظام السياسي العراقي إلى تفكيك عدد من مؤسسات الدولة الأساسية، مثل الجيش والأجهزة الأمنية، وهو ما أحدث فراغًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا داخل البلاد. وقد ترتب على ذلك ظهور قوى سياسية جديدة وتنامي دور الفاعلين غير الحكوميين، إضافة إلى تصاعد الانقسامات الطائفية والإثنية. ومن منظور استراتيجي، ساهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل موازين القوى داخل العراق وفي الإقليم، حيث برزت قوى إقليمية جديدة تسعى إلى توسيع نفوذها داخل الساحة العراقية، وهو ما يعكس أحد أهداف إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
كما تمثل الحالة السورية مثالًا آخر على التحولات المرتبطة بإعادة تشكيل الخارطة الإقليمية. فمنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 تحولت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي معقد، حيث تدخلت قوى دولية وإقليمية متعددة لدعم أطراف مختلفة في النزاع. وقد أدى هذا التداخل إلى إضعاف سلطة الدولة المركزية وتعدد مناطق النفوذ داخل الأراضي السورية، الأمر الذي يعكس أحد ملامح التحول في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ومن منظور التحليل الاستراتيجي، فإن الأزمة السورية أظهرت كيف يمكن للنزاعات الداخلية أن تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية.
أما في الحالة الليبية، فقد أدى التدخل الدولي عام 2011 إلى إسقاط النظام السياسي، لكنه في الوقت نفسه أوجد حالة من الانقسام المؤسسي والسياسي داخل الدولة. فقد ظهرت حكومتان متنافستان في الشرق والغرب، وتعددت القوى المسلحة التي تمارس نفوذها في مناطق مختلفة من البلاد. وقد ساهم هذا الوضع في تحويل ليبيا إلى ساحة تنافس بين عدد من القوى الإقليمية والدولية، ما يعكس بدوره كيف يمكن للأزمات الداخلية أن تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
ولا تقتصر هذه التحولات على الدول التي شهدت صراعات مباشرة، بل تمتد أيضًا إلى الدول التي أعادت صياغة سياساتها الإقليمية استجابة للتغيرات الجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، سعت بعض الدول الخليجية إلى تعزيز أدوارها الإقليمية من خلال تبني سياسات خارجية أكثر نشاطًا، سواء عبر بناء تحالفات أمنية جديدة أو عبر الاستثمار في أدوات القوة الاقتصادية والدبلوماسية. وقد أدى ذلك إلى بروز أنماط جديدة من التحالفات الإقليمية التي تعكس تحولات في بنية النظام الإقليمي.
ومن جهة أخرى، يمكن ملاحظة تحولات في السياسة الخارجية لبعض الدول العربية التي حاولت إعادة التوازن إلى علاقاتها الدولية في ظل تغير أولويات الولايات المتحدة في المنطقة. فمع تراجع الاعتماد الأمريكي المباشر على نفط الشرق الأوسط وازدياد التركيز على مناطق أخرى مثل آسيا والمحيط الهادئ، بدأت بعض الدول العربية في تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا. ويعكس هذا التوجه محاولة للتكيف مع التحولات في النظام الدولي وبناء هامش أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن الدور العربي في هذه التحولات ظل في كثير من الأحيان محدود التأثير بسبب غياب رؤية استراتيجية عربية موحدة. فقد أدت الخلافات السياسية بين الدول العربية وتباين أولوياتها الاستراتيجية إلى إضعاف قدرتها على التأثير الجماعي في مسار التحولات الإقليمية. ففي بعض الحالات، تحولت النزاعات الداخلية في الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية، الأمر الذي أدى إلى تعقيد الأزمات وإطالة أمدها.
ورغم هذه التحديات، بدأت بعض المؤشرات تظهر على محاولات لإعادة بناء النظام الإقليمي العربي من خلال مبادرات دبلوماسية تهدف إلى تخفيف التوترات وإعادة بناء الثقة بين الدول. فالتقارب السياسي بين بعض الدول العربية وإعادة تفعيل آليات التعاون الإقليمي يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقرارًا. كما أن الجهود المبذولة لتعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني يمكن أن تسهم في تعزيز قدرة الدول العربية على التعامل مع التحديات الاستراتيجية التي تواجه المنطقة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الشرق الأوسط يمر بمرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها العوامل الدولية والإقليمية والداخلية. فقد أسهمت سياسات الفوضى الخلاقة في إحداث تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي، غير أن المرحلة الحالية تشير إلى اتجاه نحو إعادة تشكيل هذا النظام وفق ترتيبات جديدة تعكس موازين القوى المتغيرة. وفي هذا السياق، سيظل مستقبل المنطقة مرتبطًا بمدى قدرة الدول العربية على تطوير رؤى استراتيجية مشتركة تمكّنها من الانتقال من موقع التأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل الشرق الأوسط.
