الكاتب والمحلل السياسي / زكريا آدم علي
في لحظة سودانية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع الحرب الداخلية مع صراعات الإقليم وحسابات القوى الدولية، يبرز الحديث عن احتمال تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بوصفه تطوراً يتجاوز كونه إجراءً قانونياً أو أمنياً. فمثل هذا القرار – إن تم – لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل الخريطة السياسية في السودان، ومحاولة التأثير على موازين القوى في مرحلة ما بعد الحرب.
فالسودان اليوم ليس مجرد ساحة صراع عسكري بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل أصبح أيضاً ميداناً لتنافس المشاريع السياسية المتصارعة على مستقبل الدولة. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، تصبح أدوات الضغط الدولية – بما في ذلك التصنيفات السياسية والقانونية – جزءاً من معركة رسم ملامح النظام القادم.
أول المستفيدين من مثل هذا القرار هم بلا شك خصوم الحركة الإسلامية داخل السودان. فالتصنيف الدولي يمنحهم ورقة سياسية قوية لإقصاء التيار الإسلامي من أي معادلة انتقالية قادمة. كما يوفر لهم غطاءً دولياً لتصوير الصراع السياسي في البلاد باعتباره صراعاً بين “الدولة المدنية” و”الإسلام السياسي”، وهو خطاب يجد صدى لدى بعض العواصم الغربية التي تنظر بحذر إلى الحركات المرتبطة تاريخياً بجماعة الإخوان المسلمين.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الصراع الداخلي. فالإقليم أيضاً لاعب رئيسي في هذه المعادلة. فبعض الدول العربية التي تخوض منذ سنوات مواجهة سياسية وأيديولوجية مع جماعة الإخوان ترى في أي تصنيف دولي ضدها تعزيزاً لموقفها الاستراتيجي. لذلك فإن مثل هذه الخطوة – إن حدثت – ستنسجم مع اتجاه إقليمي يسعى إلى تقليص نفوذ الإسلام السياسي في المنطقة وإعادة هندسة المجال السياسي بعيداً عنه.
أما على المستوى الدولي، فإن النقاش حول جماعة الإخوان ظل حاضراً داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، بما في ذلك داخل الكونغرس الأمريكي، حيث تعالت في السنوات الماضية أصوات تطالب بتشديد الرقابة على شبكات الجماعة ونشاطها العالمي. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى السودان باعتباره إحدى ساحات اختبار هذه المقاربة، خاصة في ظل هشاشة الدولة وتداخل الفاعلين السياسيين والعسكريين.
غير أن القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن مثل هذا القرار – إذا صدر – لن يكون موجهاً فقط ضد جماعة بعينها، بل سيكون جزءاً من محاولة أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني. فالقوى الدولية، حين تتدخل في لحظات التحول الكبرى، لا تسعى فقط إلى معاقبة طرف أو دعم آخر، بل إلى إعادة تصميم التوازنات بما يخدم تصورها للاستقرار الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية.
- من التالي في قائمة التصنيفات؟
إذا فُتح باب التصنيفات السياسية في السودان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل سيتوقف الأمر عند جماعة الإخوان؟ أم أن قائمة التنظيمات المرشحة لمثل هذه الإجراءات قد تتسع؟
في التحليلات المتداولة داخل الدوائر السياسية والإعلامية، يبرز احتمال أن تمتد الضغوط الدولية لاحقاً إلى كيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، مثل الحركة الإسلامية السودانية نفسها، أو بعض الشبكات السياسية والتنظيمية التي نشأت في ظل حكم عمر حسن أحمد البشير.
كما أن بعض الأصوات في الغرب تدعو إلى النظر في دور جماعات مسلحة أو شبه عسكرية داخل السودان، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بارتكاب انتهاكات خلال الحرب الحالية. وفي هذا السياق، يكثر الحديث عن احتمال توسيع العقوبات أو التصنيفات لتشمل شخصيات أو مجموعات مرتبطة بالصراع، سواء داخل قوات الدعم السريع أو في شبكات عسكرية غير نظامية أخرى.
وفي الإقليم، لا يستبعد بعض المراقبين أن تمتد سياسة التصنيفات مستقبلاً إلى فروع أخرى من جماعة الإخوان في المنطقة، إذا استمرت الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة لتبني مقاربة أكثر تشدداً تجاه الجماعة ككل. - معركة التصنيف أم معركة الشرعية؟
لكن السؤال الأهم يظل: هل يؤدي إقصاء تيار سياسي واسع الجذور في المجتمع السوداني إلى تحقيق الاستقرار؟ أم أنه سيضيف طبقة جديدة من الاستقطاب إلى مشهد يعاني أصلاً من انقسامات حادة؟
التجربة السودانية نفسها، كما تجارب المنطقة، تشير إلى أن محاولات استبعاد التيارات السياسية بالقوة أو بالقرارات الدولية لا تنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً. فالسودان الذي يقف اليوم على حافة إعادة بناء دولته يحتاج إلى صيغة سياسية جامعة، لا إلى جولات جديدة من الإقصاء المتبادل.
وفي نهاية المطاف، فإن معركة تصنيف الإخوان – إن تحولت إلى واقع – لن تكون مجرد معركة قانونية أو أمنية، بل ستكون فصلاً جديداً من الصراع على هوية السلطة في السودان: من يحكم، وبأي مشروع سياسي، وتحت أي مظلة إقليمية ودولية.
وحتى تتضح الإجابة، سيظل السؤال معلقاً فوق المشهد السوداني:
هل نحن أمام موجة تصنيفات سياسية تعيد رسم حدود العمل السياسي في السودان، أم أمام محاولة لإقصاء طرف من المعادلة قبل أن تبدأ فعلياً معركة بناء الدولة بعد الحرب؟
،،، سروري وخالص تحياتي ،،،
