إبراهيم محمدنور
تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بينما تقف الدول العربية أمام معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات الأمن القومي بالمصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيها التحالفات مع ضرورات الاستقرار الداخلي. فالعلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ظلت ركيزة أساسية في توازنات الشرق الأوسط، تقوم على دعم سياسي وعسكري واضح، وتنسيق عالٍ في الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملف الإيراني. في المقابل، ترى إيران أن لها حقاً مشروعاً في تعزيز نفوذها الإقليمي، سواء عبر تحالفات سياسية أو امتدادات عسكرية غير مباشرة، معتبرة ذلك جزءاً من منظومة ردع تحمي أمنها القومي، بينما تنظر واشنطن وتل أبيب إلى هذا التمدد بوصفه تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، خاصة في ظل الجدل المستمر حول البرنامج النووي الإيراني.
وسط هذه الاستقطابات الحادة، تجد الدول العربية نفسها أمام خيارات صعبة؛ فبعضها اختار تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل انطلاقاً من اعتبارات أمنية أو اقتصادية، فيما فضّل البعض الآخر انتهاج سياسة التوازن أو حتى التقارب مع إيران وفقاً لحسابات السيادة والمصلحة الوطنية.
غير أن القاسم المشترك لدى كثير من العواصم العربية يتمثل في محاولة تجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تجر المنطقة إلى دوامة عدم استقرار جديدة، خصوصاً في ظل أزمات اقتصادية متراكمة وتحديات اجتماعية وأمنية داخلية.
أما السودان، وهو يمر بمرحلة داخلية دقيقة تتشابك فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، فإن موقعه الطبيعي يفرض عليه تبني سياسة خارجية قائمة على الاتزان والواقعية. فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى إعادة بناء مؤسساته واستعادة عافيته الداخلية، لا إلى الانخراط في محاور إقليمية قد تزيد من هشاشته.
إن المصلحة الوطنية تقتضي الحياد الإيجابي، والانفتاح الدبلوماسي المتوازن على مختلف الأطراف دون ارتهان أو اصطفاف حاد، مع تعزيز عمقه العربي والإفريقي بوصفه الامتداد الطبيعي لأمنه واستقراره.
إن صراع الكبار في المنطقة ليس مجرد تنافس نفوذ، بل هو اختبار لقدرة الدول المتوسطة والصغيرة على حماية سيادتها وصون قرارها الوطني. والسودان، بتاريخِه وموقعه الجغرافي وإمكاناته، يستطيع أن يكون عامل استقرار لا ساحة صراع، إذا ما أحسن قراءة المشهد وتعامل معه بعقل الدولة لا بردود الفعل.
ففي زمن التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بحدة خطابها، بل بقدرتها على حماية مصالحها وتجنب الوقوع في فخ الاستقطاب، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم.
