الكاتب والمحلل السياسي/ زكريا علي ونقا
يشهد الإقليم من حول السودان موجة استقطاب حاد علها تعيد رسم خرائط النفوذ وتختبر توازنات الدول. صراع يتقدم فيه محور تقوده إيران في مواجهة منظومة ردع أوسع مدعومة من الولايات المتحدة، مع حضور مؤثر لـ إسرائيل في معادلة الاشتباك. وبين هذه التفاعلات المتسارعة، يجد السودان نفسه في موقع جغرافي حساس يطل على البحر الأحمر ويتصل مباشرة بفضاء القرن الأفريقي وأمن الخليج.
غير أن حساسية الموقع لا تعني حتمية
الاصطفاف. فالسودان يعيش حربًا داخلية معقدة بين القوات المسلحة والقوات المساندة لها من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة اخري، مما يجعل أي انخراط غير محسوب في صراعات المحاور عبئًا إضافيًا على دولة تسعى أصلًا إلى استعادة تماسكها. وعليه، فإن السؤال الجوهري ليس: إلى أي محور ينتمي السودان؟ بل: كيف يحمي السودان نفسه من أن يتحول إلى ساحة صراع بالوكالة؟
- اولا: منطق الدولة قبل منطق المحور:-
إن منطق المحاور يقوم على تعبئة سياسية وأمنية تفرض على الدول اصطفافًا واضحًا وحادًا. أما منطق الدولة، فيقوم على معيار مختلف وهي :حماية المصلحة الوطنيةكاولوية قصوي ، والعمل علي تقليل المخاطر.بالنسبة للسودان، فإن الأولوية الاستراتيجية لا تتمثل في توسيع النفوذ الخارجي، بل في تثبيت الاستقرار الداخلي ووقف الحرب المدمرة القائمةالان، وإعادة بناء المؤسسات. فأي تموضع خارجي ينبغي أن يُقاس بمدى خدمته لهذه الأهداف، لا بمدى انسجامه مع العواطف اللحظية. - ثانيا : السيادة كأداة عملية:-
السيادة ليست شعارًا سياسيًا مؤقتا، بل هي ممارسة يومية تهدف الي منع استخدام الجغرافيا الوطنية في صراعات الآخرين. وفي هذا الإطار، تصبح هندسة التوازنات ضرورة عملية تقوم على الاتي:
١-الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
٢- تجنب الالتزامات العسكرية أو الأمنية التي قد تستجلب خصومات إضافية.
٣-توظيف التنافس الإقليمي لجذب دعم اقتصادي ودبلوماسي يخدم مسار الاستقرار.
هذا النهج لا يعني بالضرورة الحياد السلبي، بل يعني الحياد الإيجابي القائم على مبدأ ثابت: وهو رفض الاعتداء على سيادة الدول، مع تجنب الانزلاق إلى تحالفات مغلقة. - ثالثا :إدارة المخاطر في بيئة مضطربة:-
البيئة الإقليمية مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصة في مناطق التماس الحيوية مثل البحر الأحمر. وبالنظر إلى هشاشة الوضع الداخلي، فإن السودان أحوج ما يكون إلى إدارة دقيقة للمخاطر، تحافظ على مسافة آمنة من صراعات المحاور، وتمنع استدعاء ضغوط أو عقوبات أو استهداف مباشر.
في هذا السياق، يظل أي موقف دبلوماسي بما في ذلك بيانات الإدانة الصادرة عن وزارة الخارجية السودانية – جزءًا من خطاب سياسي مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مسار استراتيجي مغلق يقيد خيارات الدولة على المدى البعيد.
فالسودان كدولةذات وزن اقليمي ودولي ، ليس بمعزل عن تلك التحولات الإقليمية، لكنه أيضًا ليس مضطرًا إلى الارتهان لها. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء سياسة خارجية متوازنةوعقلانية ومرنة، تضع إنهاء الحرب الداخلية واستعادة الدولة واكمال بناء مؤسساتها في صدارة الأولويات.ففي زمن الاستقطاب، لا يكفي أن تختار الدولة موقعًا في الخريطة. الأهم من ذلك أن تختار المسافة التي تحميها من الانزلاق. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية هندسة التوازنات كخيار استراتيجي واقعي يحفظ للسودان مصالحه في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،
