اعتاد القارئ الكريم خلال الفترة الماضية على مقالاتي ذات الطابع السياسي والتحليلي، التي تناولت الشأن العام من زاوية نقدية ورؤى وطنية إصلاحية. غير أن المرحلة التي يمر بها وطننا اليوم تستدعي تحولًا في زاوية النظر، وانتقالًا من مساحة الجدل إلى مساحة البناء، ومن تحليل الأزمة إلى صناعة الحل.
من هنا، أبدأ معكم اليوم مسارًا جديدًا تحت عنوان ثابت:
“مشاريع لا شعارات”
وهو عمودين في الأسبوع يعكس قناعة راسخة بأن النهضة لا تصنعها الكلمات مهما بلغت بلاغتها، بل تصنعها الخطط المحكمة والمشاريع المنفذة على أرض الواقع.
في كل مرحلة انتقالية تمر بها الأمم، يعلو صوت الشعارات، وتكثر الخطب، وتتزاحم المنصات بالكلمات الكبيرة. لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة واحدة لا تتغير:
الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالمشاريع.
لقد أنهكتنا في السودان معارك الكلام، واستهلكتنا الصراعات الخطابية، حتى أصبح الجدل أوسع من الفعل، والاتهام أسرع من الإنجاز. وبين هذا وذاك، ظل المواطن البسيط يبحث عن خدمة مستقرة، ووظيفة تحفظ كرامته، وطريق معبد، وكهرباء لا تنقطع، ومدرسة تؤدي رسالتها، ومستشفى يحفظ الحياة.
من هنا تنطلق فكرة هذا العمود:
لسنا في حاجة إلى مزيد من الخطابات، بل إلى خطط واضحة.
لسنا في حاجة إلى معارك إعلامية، بل إلى برامج قابلة للتنفيذ.
لسنا في حاجة إلى من يُجيد الحديث عن التنمية، بل إلى من يُحسن إدارتها.
التنمية ليست بيانًا سياسيًا، وليست وعدًا انتخابيًا، بل هي عمل يومي منظم، يبدأ بفكرة مدروسة، ثم خطة مكتوبة، ثم موارد محسوبة، ثم متابعة صارمة، حتى تتحول الفكرة إلى أثر ملموس في حياة الناس.
مشكلتنا الكبرى ليست في نقص الموارد فقط، بل في ضعف ثقافة التنفيذ.
كثير من المبادرات تبدأ بحماس كبير، لكنها تتعثر عند أول اختبار جدي، لأننا نحب إعلان البداية أكثر من تحمل مشقة الاستمرار.
إن المرحلة القادمة تتطلب تحولًا في الوعي الجمعي:
أن نُقَيِّم القادة بقدر ما ينجزون، لا بقدر ما يخطبون.
أن نقيس النجاح بعدد المشاريع التي اكتملت، لا بعدد التصريحات التي أُطلقت.
أن يصبح السؤال الأساسي: ماذا نُفذ؟ لا ماذا قيل؟
هذا العمود سيكون مساحة لطرح أفكار تنموية عملية، وتحليل قضايا المجتمع من زاوية الحل لا الشكوى، ومن زاوية البناء لا الهدم. سنناقش قضايا الاقتصاد المحلي، وريادة الأعمال، وإدارة المؤسسات، وتمكين الشباب، وثقافة الإنتاج، ومكافحة الفساد الإداري، بروح عملية بعيدة عن الاستقطاب.
لسنا ضد الشعارات من حيث المبدأ، فالشعار قد يلهم، لكن الإلهام وحده لا يكفي.
الشعار بلا مشروع يظل صوتًا في الهواء،
أما المشروع بلا ضجيج، فهو الذي يصنع التغيير الحقيقي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى ضجيج جديد،
بل يحتاج إلى ورش عمل،
إلى خطط واضحة،
إلى مبادرات مجتمعية منظمة،
إلى شراكات حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
حين نتحول من ثقافة الهتاف إلى ثقافة الإنجاز،
عندها فقط تبدأ النهضة.
هذه بداية الطريق.
وهذا عهدٌ مع القارئ:
أن تكون كل كلمة في هذا العمود خطوة نحو مشروع… لا مجرد شعار.
