الجمعة, فبراير 27, 2026
الرئيسيةمقالاتنهر النيل بعد 24 فبراير… إعادة هندسة حكومة أم اختبار إدارة مرحلة...

نهر النيل بعد 24 فبراير… إعادة هندسة حكومة أم اختبار إدارة مرحلة انتقال؟


بقلم: أمين أحمد ودالريف
تعديلات 24 فبراير في ولاية نهر النيل لم تكن مجرد تحريك أسماء، بل إعادة رسم للهيكل التنفيذي في لحظة سياسية واقتصادية حساسة. تجميع وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية في حقيبة واحدة، الإبقاء على المالية والتعليم والبنى التحتية، إعادة الزراعة والاستثمار إلى إدارات عامة، واستمرار المجالس العليا – البيئة، الشباب والرياضة، والمجلس الأعلى للإعلام – كلها قرارات تعكس محاولة لإعادة ضبط كلفة الدولة ووظيفتها. وفي الخلفية، يبقى منصب الوالي بالتكليف، بينما تتصاعد الدعوات لتشكيل برلمان انتقالي يعيد التوازن المؤسسي.
دمج الصحة والشؤون الاجتماعية يحمل منطقًا ماليًا وتنظيميًا: توحيد الرعاية الصحية بالحماية الاجتماعية ضمن رؤية واحدة. لكنه اختبار إداري صعب؛ لأن الصحة قطاع تشغيلي يومي عالي الحساسية، بينما الشؤون الاجتماعية ملف سياساتي طويل الأمد. نجاح الدمج مرهون بوجود هيكل داخلي واضح يمنع تضارب الأولويات أو تراجع أحد الملفين تحت ضغط الآخر.
الإبقاء على المالية والتعليم والبنى التحتية دون تغيير يوحي بأن الولاية ترى في هذه القطاعات أعمدة الاستقرار. المالية تضبط الإيقاع، والتعليم يستثمر في المستقبل، والبنى التحتية تُترجم الأداء على الأرض. أما إعادة الزراعة والاستثمار إلى إدارات عامة فتفتح سؤالًا استراتيجيًا: هل المقصود تخفيف التضخم الوزاري أم إعادة تركيز القرار الاقتصادي؟ في ولاية تتسع زراعيًا وتتصاعد فيها الأنشطة التعدينية، لا يكفي خفض المستوى الهيكلي ما لم يُعزَّز بالقدرة الفنية والتخطيط طويل المدى.
وجود المجلس الأعلى للإعلام إلى جانب المجالس الأخرى يعكس إدراكًا لأهمية إدارة الخطاب العام. لكن الإعلام ليس منصة دعائية، بل أداة مساءلة وتواصل وبناء ثقة. إذا لم يُصمم هذا المجلس كجسر بين الحكومة والمجتمع، فقد يتحول إلى حلقة بيروقراطية إضافية.
التحدي الأعمق لا يكمن في شكل الوزارات، بل في شكل الوحدات الإدارية نفسها. نهر النيل تشهد توسعًا استثماريًا وصناعيًا وزراعيًا وتعدينيًا، إلى جانب زيادة سكانية ملحوظة. هذه التحولات تتطلب إعادة تصميم للوحدات الإدارية لتواكب إدارة الموارد، لا مجرد إدارتها. النمو غير المنظم في التعدين مثلًا يحمل مخاطر بيئية وأمنية، والزحف العمراني دون تخطيط يضغط على المياه والكهرباء والخدمات. إذا لم تُبنَ الهياكل المحلية على قاعدة إدارة المخاطر البيئية والأمنية، فإن كلفة التوسع ستتضاعف لاحقًا.
الحكم بالتكليف يضع سقفًا سياسيًا على القرارات الكبرى. فالإصلاح الإداري الحقيقي يحتاج إلى شرعية مستقرة، وإلى مؤسسة تشريعية فاعلة. الدعوة إلى برلمان انتقالي ليست ترفًا سياسيًا؛ بل جزء من معادلة الحكم الرشيد. فالتوسع الاقتصادي دون رقابة وتمثيل قد يخلق فجوة بين الدولة والمجتمع.
نهر النيل اليوم أمام مفترق: إما أن تتحول التعديلات إلى نقطة انطلاق لإعادة هندسة الحكم المحلي بما يتناسب مع موجة الاستثمار والتعدين والزراعة، أو تبقى إعادة توزيع للأدوار داخل هيكل تقليدي. النجاح لن يُقاس بعدد المجالس أو دمج الوزارات، بل بقدرة الحكومة على إدارة النمو، حماية البيئة، ضبط الموارد، وخلق توازن بين التوسع الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
التعديل خطوة، لكنه ليس الوجهة. الوجهة هي بناء نموذج إدارة محلية حديثة قادرة على التفكير الاستثماري والصناعي والزراعي بعقل استراتيجي، لا برد فعل يومي. وفي ذلك وحده يكمن الفارق بين حكومة تُدير مرحلة… وحكومة تُعيد تأسيس مرحلة جديدة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات