يعيش السودان اليوم واحدة من أعقد مراحله التاريخية، حيث تتداخل الحرب بالانهيار الاقتصادي، ويتقاطع النزوح الجماعي مع فقدان الأمل لدى قطاعات واسعة من الشعب.
لم تعد الأزمة مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى جرح وطني مفتوح يهدد كيان الدولة نفسها. في مثل هذه اللحظات، تُختبر مواقف الدول المجاورة، ويظهر معدن العلاقات الإقليمية بعيداً عن الشعارات الدبلوماسية.
كان المنتظر من إثيوبيا بحكم الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك والمصالح المتداخلة، أن تتبنى موقفاً واضحاً يدعم وحدة السودان واستقراره، وأن تسهم بفاعلية في الدفع نحو وقف الحرب.
غير أن ما صدر من مواقف رسمية وما رافقها من تحركات سياسية أعطى انطباعاً لدى كثير من السودانيين بأن أديس أبابا تنظر إلى الأزمة من زاوية توازنات القوة لا من زاوية أمن الإقليم المشترك.
وزاد من حدة هذا الشعور ما تردد عن وجود معسكرات وتسهيلات لوجستية في المناطق الحدودية واتهامات غير مباشرة بدعم بعض المليشيات المناوئة للدولة السودانية بصورة أو بأخرى.
كما أشارت تقارير صحفية من بينها ما نشرته صحيفة The Independent، إلى مزاعم تتعلق بحركة السلاح وتموضع مجموعات مسلحة في محيط الصراع، وهي تقارير وإن كانت محل نقاش سياسي، إلا أنها عززت الشكوك لدى الرأي العام السوداني وأثارت تساؤلات مشروعة حول حقيقة الموقف الإثيوبي.
إن أي قراءة قصيرة المدى للأزمة السودانية قد تغري بعض الأطراف باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأوراق أو تعزيز مكاسب حدودية أو سياسية. لكن التجربة الإقليمية تثبت أن انهيار دولة بحجم السودان لن يبقى داخل حدوده.
فالفوضى وتدفقات اللاجئين، وانتشار السلاح والتوترات الحدودية كلها عوامل سرعان ما تعبر الحدود وتنعكس على الجوار المباشر.
السودانيون اليوم لا يطلبون اصطفافاً سياسياً بقدر ما يطالبون باحترام سيادة بلادهم ورفض أي سلوك يُفهم منه استثمار في ضعفهم. فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس بلحظات الضعف، بل بالمواقف في أوقات الشدة.
التاريخ لا ينسى من وقف مع الشعوب في محنها، كما لا يغفل من آثر الحسابات الضيقة على الاستقرار المشترك.
إن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب بل هو ركيزة أساسية لأمن القرن الأفريقي بأكمله. وأي موقف لا يضع هذه الحقيقة في مقدمة أولوياته يظل قاصراً عن إدراك حجم الترابط بين دول المنطقة.
في نهاية المطاف سيخرج السودان من أزمته مهما طال أمد الحرب، وسيعيد بناء دولته على أسس جديدة.
وحين تهدأ البنادق ستبقى في ذاكرة السودانيين مواقف الجوار من دعم وحدة وطنهم، ومن اختار الوقوف على مسافة باردة من معاناتهم.
