قرىً وديعة أصابها الكرب يوم الفداء ، و فجيعة بكى لها أهل السماء….. أربعون رجلاً سقطوا بطعنة لم تكن في كبد دار حامد فحسب إنما في خاصرة كردفان في شمالها حين شلت يمينها….
نفس السهم الذي أصاب ود النورة و الهلالية و الفاشر و الجنينة و بارا تقطر سمه على هذه القرى….
السهم هو هو و الغادر هو هو و صانع الأسهم ما زال يعد الكنانات كنانة تلو أخرى .. و كل يوم يولد وحشي و يعد ألف عبد حبشي!….
إنها أقدار الزمان عندما يضعف في الأمة الإيمان وعندما ينام عن الرعايا الأعيان!….
دماء أهرقت هنا و هناك و لم يسلم منها شبر من أرض السودان و لم يبق إلا أن توضع لحوم البشر على الميزان لو أنها وجدت آكل و هم لا يريدون ذلك بل يريدون أن يدمي قلب أرمل و أطفالاً هياكل و تتقطع أحشاء ثاكل !!.
أصبح القتل مباركاً من أهل الملة و الجار و مدعوماً للأسف من ابن الدار و الدولة لا تجود إلا بمقدار و كادت أن ينضب منها (المَعين) بالفتح و تفقد حتى ( المُعين ) بالضم فانفتحت جروحها حتى تعفنت قروحها و ما زال البعض يريد أن يأكل من لحمها ( أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) لذلك لأننا تفرقنا قبائل و أحزاب و طوائف فأصابنا داء التفرقة و التشتيت فصرنا خفاف عند الطمع و ثقال عند الفزع !!…
حماية المواطن أينما كان و أياً كان و أينما وجد فهو مسؤلية الحكومة في المقام الأول و ليس الدولة لأن الدولة أوسع من الحكومة في تعريفها….الدولة أرض و حدود و موارد بشرية و مائية و حيوانية و معدنية لا تتغير إلا بتغير الظروف البيئية و الطبيعية أو الأطماع الخارجية… أما الثانية ( الحكومة ) في تعريفها فهي تتكون من رأس دولة و وزراء و موظفين لإدارة الموارد و حماية حدود الدولة و الحفاظ على سيادتها و تتأثر بالأوضاع السياسية من حولها سواء كانت محلية أو خارجية وتزول بزوال النظام…….و إذا كانت الحكومة مسؤولة عن الموارد فالمواطن هو المورد الأهم في المعادلة الإقتصادية لأنه هو الذي يدير بقية الموارد و يوظفها و يحميها و بالتالي وجب على الحكومة حمايته و توفير متطلباته الحياتية التي تعينه في تسيير هذه الموارد…..
حماية العرض و المال و الأرض مسؤولية فردية وجماعية وردت في نصوص شرعية و الدفاع عنها و الموت في سبيلها شهادة عظيمة عند الله و هذا ما قام به أهلنا في أم سعدون الشريف و المرة و الرضة نسأل الله أن يتقبلهم في أعلى عليين و باستشهادهم هذا تركوا خلفهم مسؤولية أخلاقية يتحملها الكل حكومة و مجتمع كلٌّ في استطاعته ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم و ما تتفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ) صدق الله العظيم…….
واضح أن الآية تحث المسلمين على إعداد القوة للذود عن الدين والأنفس و الأعراض و الأرض متى ما دعت الحاجة إلى ذلك و فتح لهذا الإعداد باب الاستطاعة لمن يملك خيلاً أو سلاحاً أو مالاً و لينفق كل ذي سعة من سعته و يوف كل أجره عند الله…..
السؤال ؟
بغض النظر عن دور الحكومة الضعيف و لا أقول الغائب ماذا أعددنا نحن كمجتمعات منوط بنا حماية أعراضنا و أموالنا كما فعل أهل المرة و أم سعدون و الرضة ؟….
هم قاموا بدورهم كفئة قليلة من مجتمعات عريصة و _ لا أقول مجتمع_ في ولاية شمال كردفان لأن المسؤولية هنا ليست مسؤولية قبيلة دار حامد وحدها بل مسؤولية مجتمع الولاية بكل مكوناته حكومة و قبائل و أفراد….
نعم الولاية غنية بمواردها الاقتصادية ظاهرة و باطنة ، و البشرية منها تسد عين الشمس فهل استطعنا كأعيان و مجتمع و حكومة توظيف هذه الموارد للمستقبل ؟…
وهل كنا متحسبين لمثل هذه الظروف ؟….
لو أننا وجهنا جزء يسير من هذه الموارد في نطاق المسؤولية المجتمعية إلى طفل أنهكه الضمور أو شاباً ليسد الثغور لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن…..
انظروا إلى شبابنا كم جمعوا ثروات من الذهب ، و كم أثروا حتى ظنوا أنهم لن يبيدوا أبدا لكنها لم توظف لمصلحة المنطقة كما ذكرت في مقال قبل عام بعنوان ” قضية المعدنين تطفو على السطح “…..
كنت أتمنى لو أن حلف شمال كردفان الذي تأسس قبل أكثر من عام في مدينة الدبة و هي الأقرب لمناطق التعدين الأخذ بزمام المبادرة لاحتواء هؤلاء الشباب المعدنين و توجيه أموالهم و طاقاتهم للبناء و التعمير مع إعدادهم لمثل هذه المواقف……
وجود الأسلحة الخفيفة في أيدي مواطني الولاية لا يكفي لحماية المواطن و امواله و أعراضه أمام آلة المليشيا الغادرة حتى هذه إن وجدت تحتاج تدريباً نوعياً في التهديف والتكتيك و قد اقترحت من قبل انتهاز فرصة وجود شباب الولاية في مناطق النزوح الآمنة و فتح معسكرات تدريب على حمل السلاح لسد الثغرات في مناطقهم و إسناد القوات النظامية بتشكيلاتها المختلفة و ما زلت أقدم هذا الاقتراح لعله يجد تجاوباً من مكونات المنطقة و دعماً من الحكومة الولائية و الاتحادية…….
نسأل الله المغفرة والرحمة لشهدائنا و الثبات و النصر لقواتنا …
مع كل الدعم لأهلنا….
الغالي الزين حمدون
٢٠٢٦/٥/٢٩م
