بابا سندي
لا زلتُ أحتفظُ ببعضِ كلماته،
أخبّئها في صدري
كما تُخبَّأُ النارُ تحت الرماد
خشيةَ أن يبرد هذا العالم أكثر.
كان يقول لي أشياء بسيطة،
لكنها كانت تُقيمُني من تعبي
كما تُقيمُ الصلاةُ روحًا أنهكها السقوط.
حين يثقلني ضعفي
أفتح صورته و أقلب تفاصيلها،
أدخلُ بحرَ عينيه
وأغتسلُ من ارتباكي،
أستعيرُ من ملامحه
شيئًا من الثبات
وأقول:
هنا كان كتفي يجد كتفه،
وهنا كان قلب طفلي المدلل..
يتعلّم الطمأنينة.
يا بابا سندي…
لم تكن حبيبًا فقط،
كنت ظهري حين انكسر ظهري،
وصوتي حين ضاع صوتي،
ويدي حين ارتجفت يدي.
أقلّبُ محادثاتنا
كما يُقلّبُ الغريقُ الهواء،
أبحثُ عن كلمةٍ منك
تربّتُ على قلبي
وتقول:
“أنا معك … لا تخافي بنتي.”
منذ غيابك
صار المساءُ أطول من احتمالي،
وصارت الوسادةُ
تعرف عدد أنفاسي المرتكبة،
وصار اسمك
ينام بين اضلعي
كوجعٍ جميلٍ
لا أريدُ الشفاء منه.
كنتُ أتكئُ على كتفك
فأشعر أن العالمَ
أصغرُ من أن يؤذيني،
وأن الحزنَ
يخجل من الإقتراب.
واليوم
أفتّشُ بين ثنايا كلامك
عن عطفٍ يسعفني،
عن حرفٍ منك
يجبر كسري
ويعيد إلى شفتيّ
ضحكة هجرتني منذ غيابك عني
يا سندي…
كيف استطعتَ أن تكون وطنًا
ثم تتركني على الحدود؟
كيف صار الغيابُ
أوسعَ منك
وأضيقَ عليّ؟
أنا لا أريد الكثير…
فقط كتفك
حين يتعب الطريق،
وصوتك
حين يختلط عليّ الصمت،
ونظرتك
التي كانت تقول لي
إنني لستُ وحدي
مهما اشتدّت العاصفة.
سأبقى أحتفظ بكلماتك،
وأضمّها إلى صدري
كأنني أضمّك،
وأعيشُ على فتاتِ ذلك الدفء
إلى أن يعود الغيابُ
أقلَّ قسوة…
أو تعود أنت يا سندي وقوتي.
إبتسام حفيظي.
