شهدت الفترة الأخيرة تحولات خطيرة مع تصاعد نشاط قوات الدعم السريع التي أصبحت تتحرك بحرية بين دول الجوار، تحديدًا بين كينيا وأوغندا وإثيوبيا، مستفيدة من غطاء لوجستي وسياسي يسمح لها بتجاوز الحدود الوطنية. هذا النشاط المكوكي يعكس تحديًا مباشرًا لشرعية الدولة، ويضعف قدرتها على فرض سيطرتها على أراضيها، في الوقت الذي ينادي فيه الاتحاد الإفريقي بدعم وحدة السودان وعدم الاعتراف بأي قوة مسلحة تعمل خارج الإطار الدستوري والقانوني.
إن التنقل المستمر لمنتسبي الدعم السريع بين كينيا وأوغندا يتيح لهم الحصول على التمويل والغطاء اللوجستي الضروريين لإدامة عملياتهم، سواء على المستوى العسكري أو على صعيد السيطرة على الموارد. وتبرز هذه الظاهرة بشكل واضح كخطر على خطوط الامداد الرسمية للدولة، إذ تحل القوات شبه الموازية مكان المؤسسات الشرعية في تأمين الموارد والخدمات، ما يؤدي إلى تفاقم الفوضى وانفلات الوضع الأمني داخل البلاد. ويُظهر هذا النشاط كيف يمكن لقوات شبه نظامية أن تصبح قوة موازية للدولة، تتصرف وفق مصالحها الخاصة، وتتجاهل عواقب تصرفاتها على الاستقرار الوطني.
وعلى المستوى الإقليمي، يعكس موقف الاتحاد الإفريقي التحدي الكبير الذي تواجهه الهيئات الدولية والإقليمية في فرض الالتزام بالقوانين الدولية وحماية وحدة الدولة السودانية. فبينما ينادي الاتحاد الإفريقي بالحفاظ على وحدة السودان ورفض تصرفات الدعم السريع، إلا أن قدرته على تنفيذ هذه القرارات على الأرض محدودة، ما يترك المجال لتلك القوات للاستفادة من ضعف الرقابة الدولية وتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب الدولة الشرعية.
في المقابل، تبدو الدول العربية مترددة في التحرك الفعلي، مكتفية بإصدار بيانات رفض رمزية للأحداث الجارية في السودان، دون تقديم دعم مباشر للحكومة أو الضغط على تلك القوى لوقف تحركاتها. هذا الموقف “الحيائي” يسهم بشكل غير مباشر في تمكين الدعم السريع من استغلال العلاقات الإقليمية لكسب غطاء سياسي ولوجستي، بما يضاعف خطر استمرار الفوضى وانقسام الدولة.
من الناحية الداخلية، فإن النشاط المكوكي للدعم السريع يفاقم الانقسام بين المؤسسات الشرعية، ويضعف قدرة الحكومة على إدارة الأزمات، كما يزيد من تهديد الأمن على الحدود، ويعرض السكان المحليين لمخاطر النزاع المسلح، ويؤثر سلبًا على الخدمات الأساسية والتنمية. ويُظهر الواقع أن استمرار هذه التحركات يعني استمرار تحدي سلطة الدولة، واستغلال الفوضى لتحقيق مصالح غير وطنية، ما يهدد وحدة السودان على المدى الطويل.
إن السيناريو المستقبلي للسودان مرتبط بشكل مباشر بمدى قدرة الدولة على إعادة النظر في التعامل مع هذه القوات المتمردة على الإطار الشرعي، وضمان إخضاعه، والوقوف ضد أي تعاون خارجي يهدد سيادة الدولة. كما أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الإفريقي والدول العربية، مطالب بتقديم دعم حقيقي للدولة السودانية وضبط الحدود، وإعادة فرض سيادة الدولة على خطوط الامداد.
في الختام، يُظهر هذا التحرك المكوكي لقوات الدعم السريع بين كينيا وأوغندا وإثيوبيا، في ظل موقف متردد من الدول العربية وعجز الاتحاد الإفريقي عن التنفيذ، أن السودان يواجه تهديدًا وجوديًا لوحدته، وأن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، سواء ان على السودان او دول الاقليم كافة وزعزعة الأمن والاستقرار لفترة طويلة، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا ومنسقًا لإعادة السلطة للدولة الشرعية.
