الكاتب / زكريا علي عبدالرسول
لم يعد النزاع في السودان يدور فقط حول الأرض والسلاح والسلطة، بل تمدّد إلى أخطر مساحة رمزية في وجدان المجتمع السوداني وهي الشهادة السودانية .
إن قرار تحالف “تأسيس” – الموالي لقوات الدعم السريع – بتنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرته، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل خطوة سياسية مكتملة الدلالات، تطرح سؤال الدولة ذاتها: من يملك حق إصدار الشهادة باسم السودان؟
الشهادة السودانية ليست حدثاً موسمياً، بل مؤسسة وطنية تشكّلت عبر عقود، واكتسبت مشروعيتها من وحدة المنهج، ومركزية الإشراف، واعتراف الجامعات بها داخلياً وخارجياً. حين تُعقد خارج هذا الإطار الموحد، فإن المسألة لا تتعلق بطلاب يؤدون امتحاناً، بل بسلطة تحاول أن ترتدي عباءة الدولة.
نماذج مشابهة… حين ينقسم التعليم مع انقسام الدولة
التاريخ القريب يقدم لنا شواهد واضحة على خطورة هذه المسارات.
في ليبيا بعد 2014، ومع انقسام السلطة بين حكومتين في الشرق والغرب، ظهر نظامان إداريان متوازيان، وانعكس ذلك على قطاع التعليم. شهدت البلاد ازدواجية في بعض الإجراءات والقرارات التعليمية، ما خلق ارتباكاً حول الاعتراف بالشهادات في فترات معينة، وأدخل الطلاب في دوامة قانونية وسياسية لم يكونوا طرفاً فيها.
وفي اليمن، أدى الانقسام بين سلطات صنعاء وعدن إلى خلافات حادة حول المناهج والامتحانات وإدارة العملية التعليمية. تحوّل التعليم هناك إلى ساحة صراع ناعم بين سلطتين، كل منهما تسعى لفرض سرديتها وهويتها عبر المدرسة والكتاب المدرسي.
أما في سوريا، فقد أنشأت قوى أمر واقع في بعض المناطق أنظمة تعليمية خاصة بها، بمناهج وشهادات مختلفة. ومع مرور الوقت، واجه كثير من الطلاب صعوبات في معادلة شهاداتهم أو الانتقال بين المناطق، لأن الاعتراف ظل مرتبطاً بالسلطة السياسية المسيطرة.
وفي الصومال، ومع انهيار الدولة المركزية في التسعينيات، نشأت أنظمة تعليمية متعددة بإشراف إدارات محلية أو جماعات مسلحة، ما أدى إلى تفاوت المعايير وضعف الاعتراف الخارجي بالشهادات لفترات طويلة.
هذه النماذج تكشف حقيقة واحدة: عندما تنقسم السلطة، ينقسم التعليم تبعاً لها. وحين يصبح الامتحان أداة لإثبات السيطرة، يفقد حياده، ويتحول من معيار أكاديمي إلى رمز سياسي.
بين الحق في التعليم وخطر التسييس
لا يمكن إنكار أن آلاف الطلاب في مناطق النزاع السوداني حُرموا من الجلوس للامتحان لسنوات. هناك أسر تخشى ضياع مستقبل أبنائها، ومعلمون يريدون إنقاذ عام دراسي كامل من الضياع. من هذا المنظور، يبدو قرار تنظيم الامتحانات استجابة لحاجة اجتماعية ملحّة.
لكن التجارب المقارنة تعلمنا أن معالجة الفراغ المؤسسي بإنشاء مؤسسات موازية غالباً ما يُرسّخ الانقسام بدلاً من تجاوزه. لأن الشهادة الوطنية ليست مجرد ورقة؛ هي تعبير عن سيادة واحدة، ومرجعية واحدة، واعتراف جامع.
ردود الفعل الوطنية – من لجنة المعلمين وقطاعات المجتمع المدني – عكست هذا القلق. أما التحذيرات الدولية، وعلى رأسها موقف الاتحاد الأوروبي، فترى في الخطوة مؤشراً خطيراً على بناء هياكل موازية قد تكرّس واقع الانقسام.
•الامتحان كفعل سيادي:-
الامتحان فعل سيادي بامتياز. من ينظمه لا يطبع أسئلة فقط، بل يعلن ضمناً أنه يملك حق تمثيل الدولة في أخطر ملفاتها، مستقبل أجيالها.
إن أخطر ما في المسألة ليس عقد امتحان هذا العام، بل ترسيخ سابقة: أن يصبح لكل منطقة امتحانها، ولكل سلطة شهادتها. عندها لن يكون الانقسام سياسياً فحسب، بل معرفياً وثقافياً أيضاً.
في لحظة تتآكل فيها مؤسسات الدولة، يحتاج السودان إلى حماية ما تبقى من رموزه الجامعة، لا إلى مضاعفة خطوط التماس داخلها. فالتعليم كان دائماً آخر الحصون. وإذا تحوّل إلى ساحة تنازع شرعيات، فإن الخسارة لن تكون سياسية فقط، بل جيلية وتاريخية.
الشهادة ليست مجرد نتيجة تُعلن في صحيفة،
بل وطن يُفترض أن يبقى واحداً
،،، ودمتم في أمان الله ،،،
