.
عندما تُقرع أجراس الدراسة في ولاية الخرطوم يوم الأحد، فإنها لا تعلن عودة التلاميذ إلى مقاعدهم فحسب، بل تعلن – في معناها الأعمق – عودة الروح إلى مدينة أنهكتها الحرب، وتوقظ في القلوب أملاً ظل مؤجلاً على أرصفة الانتظار الطويل.
استئناف الدراسة ليس إجراءً إدارياً كسائر الإجراءات، ولكنه خطوة مفصلية في مشروع العودة الطوعية للمواطنين، ورسالة سياسية واجتماعية تقول إن الحياة – رغم الجراح – قادرة على أن تستأنف سيرها. فالمدرسة في وجدان السودانيين ليست فصولاً وجُدراً وإنما هي معمل صناعة المستقبل، ومحراب القيم، ومهد الوعي الوطني.
غير أن هذه الخطوة، على جلال مقصدها، لا تخلو من مخاطر تحفُّ بها من كل جانب.
أول هذه المخاطر التوقيت. فنحن في أيامٍ يشتد فيها حرُّ الصيف، وتتصاعد فيها درجات الحرارة إلى مستويات ترهق الأجساد الغضّة للتلاميذ، في ظل انقطاع الكهرباء أو شحِّها، وغياب الوسائل المعينة على التبريد، وما يستتبع ذلك من احتمالات الإجهاد الحراري والمضاعفات الصحية. لا سيما في شهر رمضان وصوم عدد مقدر من التلاميذ ، إن مراعاة الحالة الصحية للتلاميذ ليست أمراً تنظيمياً مبتوراً إنما هي من المسلمات التي يقوم عليها أي تخطيط تربوي رشيد.
ثم تأتي البيئة المدرسية، وقد أصابها ما أصاب مرافق الدولة من خراب ودمار جرّاء الحرب. فكم من مدرسة تحوّلت إلى مأوى، أو ثكنة، أو ساحةٍ للعبث، وكم من فصولٍ فقدت مقاعدها، ونوافذها، وأبوابها، بل فقدت أحياناً أبسط مقومات البيئة الآمنة. إن إعادة فتح المدارس دون تأهيل حقيقي ومدروس قد يُدخل العملية التعليمية في ارتباكٍ مبكر، ويزرع في النفوس شعوراً بالإحباط بدل الطمأنينة.
غير أن الخطر الأكبر، والأشد حساسية، هو المعلم… نعم، المعلم.
فولاية الخرطوم تشهد نقصاً ملحوظاً في أعداد المعلمين؛ كثيرون غادروا الوظيفة إلى أعمالٍ أخرى بحثاً عن الاستقرار والعيش الكريم، ومن بقي منهم يقف على خطٍّ رفيع بين الواجب الوطني وضغوط الحياة القاسية. مرتبات لم تُسدد لأكثر من عام، والتزامات مالية تتراكم، وواقع اقتصادي يزداد عسراً في ظل عجز الولاية عن الإيفاء بهذه الحقوق بسبب ظروف الحرب، وقلة الإيرادات، وكثرة الاحتياجات.
إن المعلم الذي يُطالَب بصناعة الأجيال، لا يمكن أن يُترك وحيداً في معركة البقاء. فكيف يُطلب منه أن يغرس القيم، ويصنع الوعي، وهو مثقلٌ بهمّ الإيجار، والغذاء، والدواء؟ وكيف يُنتظر منه أن يكون قدوة الاستقرار، فيما أرضه الوظيفية تهتز تحت قدميه؟
وزارة التربية والتعليم، وهي تمضي في قرار الاستئناف، قد وضعت نفسها أمام تحدٍ كبير، يتطلب تدابير وقائية عاجلة، وأخرى لاحقة مستدامة. فالأمر لا يحتمل إدارة ردود الأفعال، بل يحتاج إلى خطة طوارئ واضحة:
• معالجة عاجلة لبيئة المدارس وتأهيلها بالحد الأدنى المقبول من السلامة.
• ترتيبات خاصة تراعي الظروف المناخية والصحية للتلاميذ.
• وقبل ذلك كله، حلول مالية وإدارية جادة لملف المعلمين، تحفظ كرامتهم وتعيد إليهم الثقة.
فإن لم تُتخذ هذه التدابير، فإننا نخشى أن يسبق صوتُ الإضراب صوتَ الجرس المدرسي، وأن تطرق أسماعنا أزمة جديدة نحن في غنىً عنها، في مرحلةٍ تتطلب تضافر الجهود لا تشظّيها.
إن استئناف الدراسة قرار شجاع، لكنه يحتاج إلى سندٍ واقعي يقيه التعثر. فالتعليم ليس مجرد فتح أبواب، إنما هو منظومة متكاملة، إذا اختلّ أحد أعمدتها انهار البناء كله.
وفي زمن إعادة الإعمار، يبقى السؤال: هل نعيد فتح المدارس فحسب، أم نعيد بناء المدرسة – إنساناً ومكاناً ورسالة؟
ذلك هو التحدي… وتلك هي اللحظة الفاصلة.
