نؤمن بان الريشة أصدق من الضجيج، وأعمق من العناوين العريضة، من هنا بزغ اسم عمار عبد الوهاب كأحد الذين منحوا للخط (line) روحًا، وللشخصية الكرتونية قلبًا نابضًا بالحياة.
خريج كلية الحقوق من جامعة الخرطوم، لكنه اختار أن يحاكم القبح بالجمال، وأن يرافع عن الفرح أمام قسوة الواقع. لم تكن شهادته القانونية سوى دليل على عقلٍ منظم، أما قلبه فكان يسكنه الفن منذ البدايات.
في منتصف الثمانينات، كان مستشارًا فنيًا ورساما في مجلة صباح للقصص المصورة ، حيث أسهم في صياغة ملامح جيلٍ كاملٍ أحب الكوميكس قبل أن يعرف الناس معناها … هناك، لم يكن يرسم فقط، بل كان يزرع الدهشة في عيون الصغار، ويمنح الكبار نافذةً يطلون منها على براءةٍ مفقودة.
ثم جاءت محطة صحيفة (دنيا الكاريكاتير)، التي عمل بها رسامًا كاريكاتيريًا، قبل أن يتولى رئاسة تحريرها في التسعينات. لم يكن الكاريكاتير عند عمار مجرد تعليق ساخر؛ كان موقفًا، وضميرًا، ونبض شارع. كان يرسم الفكرة قبل أن يرسم الخط، ويبتسم وهو يضع اللمسة الأخيرة كمن يعرف أن الضحكة مقاومة.
عمار لم يكن فنانًا عاديًا… كان مرهف الإحساس، صاحب أصابع ذهبية، ونظرة جمالية ترى في التفاصيل الصغيرة عالماً كاملاً. رسم العيد في هيئة شخصيات كرتونية، وجعل الفرح ملموسًا بالألوان. كان يؤمن أن الطفل داخل كل إنسان يستحق أن يُخاطَب، وأن الفن ليس ترفًا بل ضرورة.
لقّبه محبوه بـ”ديزني السودان”، بل “ديزني أفريقيا”، لا تشبيهًا فحسب، بل اعترافًا بقدرته على خلق عوالم نابضة بالحياة، وشخصيات تحمل طابعًا محليًا بروح عالمية. كان يصمم لمنتجات وشركات عديدة ، فيحوّل الإعلان إلى لوحة ، واللوحة إلى حكاية.
عمار لوحة تتحدى الزمن…
مدرسة في الذوق، وأيقونة في الرسم ، وروحٌ لا تشبه إلا نفسها.
رحل عن دنيانا، لكنه ترك إرثًا كبيرًا في مجال الكوميكس والرسوم الكرتونية. ترك خطوطًا ما زالت تنبض، وشخصيات ما زالت تبتسم، وذكريات محفورة في ذاكرة جيلٍ بأكمله.
نم قرير العين يا عمار…
فكل خطٍ رسمته ما زال يمشي بيننا،
وكل ابتسامة صنعتها ما زالت تُضيء الوجوه…
