الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةمقالاتوجه الحقيقة ...

وجه الحقيقة المفتاح السوداني.. بقلم/د.إبراهيم شقلاوي

إدراج بلادنا بصورة رسمية  في ما يُعرف بـ “المفتاح السوداني” في الدليل العالمي لمنظمة الطيران المدني الدولية (ICAO)  في السياق السياسي يعتبر حدثًا جيدا، جاء في لحظة تسعى الدولة الي الانتقال وإلى إعادة  نظمها بعد حرب أنهكت مؤسساتها وشرخت ثقة مواطنيها  بها.

فحين تعتمد المنظمة الدولية للطيران هذا المعيار المتعلق بالهوية الرسمية لدولة خارجة من نزاع، فإنها، تبعث برسالة سياسية ضمنية مفادها أن هذه الدولة، رغم التحديات ما تزال قادرة على الالتزام بقواعد النظام الدولي، واستعادة موقعها داخل منظومة الاعتراف العالمي.

وفقاً لذلك ، يتحول “المفتاح السوداني” من أداة ضبط إلى خطاب سيادة جديد، تُقاس فيه الدولة بقدرتها على حماية هويتها الرقمية وتعزيز الثقة في الجواز السوداني بقدر ما تُقاس بسطوتها على الأرض أمنا وسلام.

من المعلوم أن المفتاح السوداني ، هو بصمة رقمية (Public Key) تُمنح لكل دولة ضمن منظومة منظمة الطيران المدني الدولية (ICAO)، وتُستخدم للتحقق من صحة الجوازات الإلكترونية المقروءة آليًا حول العالم.

حيث يعمل هذا المفتاح كـ“باركود وطني”، تقوم بموجبه أنظمة المطارات بمقارنة بيانات الجواز مع مفتاح الدولة المسجّل في الدليل العالمي، فإذا تطابقت اعتُبر الجواز أصليًا ومعتمدًا. جميع الدول تمتلك مفتاح خاص ، لكن فاعليته لا تتحقق إلا بعد إدراجه رسميًا، ما يجعل هوية الدولة مقروءة داخل النظام العالمي، وينقل البلاد إلى ضمان تقني معترف به دوليًا.

الحدث الذي ربما مر مرور الكرام في النشر الصحفي والإعلام الإلكتروني، يعتبر تحول مهم ،حيث شهدت الاسبوع الماضي مراسم التسليم في مونتريال حضور قيادات نافذة عن الجوازات والسفارة ووزارة الاتصالات و الجواز الإلكتروني، في مشهد عكس تلاقي السياسة بالتقنية، والدبلوماسية بالإدارة.

أهمية الحدث، تكمن في ما يحمله من دلالات على عودة السودان إلى فضاء الشرعية الدولية، عبر مسار مختلف عن لغة الحرب والعزلة الخارجية ، التي يحاول البعض فرضها علي بلادنا.

فالاعتراف بالجواز السوداني في منظومة الطيران المدني العالمية يعني أن الدولة نجحت، في استعادة ثقة المؤسسات الإقليمية و الدولية ، وهو ما ينعكس على حركة المواطنين، وعلى صورة الدولة في عيون الشركاء الدوليين، وعلى قدرتها على التفاوض وكسب موقع متقدمة و أكثر توازنًا.

سياسيًا يمثل هذا الإنجاز جزءًا من معركة مفهوم الشرعية. فالدولة الخارجة من الحرب لا تواجه فقط تحدي إعادة بناء البنية التحتية، بل أيضًا إعادة بناء الثقة في مؤسساتها، داخليًا وخارجيًا. وفي عالم تحكمه البيانات والمعايير الرقمية، تصبح الهوية الإلكترونية إحدى أدوات السيادة، بل أحد شروط الاعتراف. من هنا فإن اعتماد التوقيع الإلكتروني على الجوازات المقروءة آليًا لا يعزز فقط أمن الوثائق، بل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، على أساس الشفافية والموثوقية، بدلًا من الارتباك.

غير أن السؤال المهم الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن لسيادة رقمية أن تسبق السيادة السياسية على الأرض؟ وهل يكفي الاعتراف الخارجي لتكريس دولة فاعلة، إذا لم تُستكمل عملية الإصلاح المؤسسي من الداخل؟

هذا التوافق الملزم بين الخارج والداخل يشكّل أحد أخطر تحديات المرحلة الانتقالية، إذ قد يتحول الإنجاز التقني إلى واجهة دعائية ما لم يُدعَم بإرادة سياسية لإصلاح أجهزة الدولة، وضمان استقلاليتها، وفعاليتها وبناء منظومة حكم رشيد تحمي هذا المكسب من هدر الموارد و التآكل.

في السياق ذاته، فإن إدراج المفتاح السوداني يفتح نافذة على مفهوم أوسع للحوكمة الإلكترونية، حيث تتقاطع الرقمنة مع إعادة بناء الدولة. فالدولة التي تمتلك نظامًا موثوقًا لإدارة الهوية والحدود، تكون أكثر قدرة على فرض القانون، وجذب الاستثمار، وتنسيق جهود الإعمار. كما أن هذا التحول يرسل إشارات إيجابية إلى الشركاء الإقليميين والدوليين بأن السودان يسير، بخطى واثقة ، نحو دولة مؤسسات لا دولة أشخاص.

دبلوماسيًا يعزز هذا الحدث القوة الناعمة للسودان، ويمنحه أداة جديدة للتفاعل مع العالم بلغة المعايير لا الشعارات. فالتعاون مع منظمة الطيران المدني الدولية لا يقتصر على المجال الفني، بل يرسخ حضور السودان داخل شبكة من العلاقات الدولية القائمة على الامتثال والثقة المتبادلة. وهذا الحضور إذا ما أُحسن استثماره، يمكن أن يتحول إلى رافعة سياسية تدعم مسار السلام، وتفتح آفاق شراكات جديدة في مجالات التقنية والحوكمة.

بحسب #وجه_الحقيقة لا يمكن قراءة “المفتاح السوداني” بمعزل عن سياق الدولة الخارجة من الحرب، الباحثة عن إعادة تعريف ذاتها. فهو علامة على انتقال من منطق الإنتظار إلى منطق البناء، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية. وإذا ما نجح السودان في حماية هذا المكسب وتوسيعه ليشمل منظومة أوسع للتحول الرقمي والحوكمة الرشيدة، فإن هذا المفتاح قد يتحول من أداة عبور في المطارات إلى جسر عبور نحو دولة أكثر استقرارًا، وسيادة أكثر رسوخًا، ومستقبل يليق بتضحيات شعبنا.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 17 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات