بقلم/ محمد حسن سفيان
مع مطلع عام 2026، يشهد المشهد السياسي السوداني تحولاً دراماتيكياً في خارطة التحالفات الإقليمية؛ حيث برزت ملامح “محور خماسي” يضم (السودان، مصر، تركيا، السعودية، وقطر). هذا التحالف ليس مجرد تكتل عسكري لدعم الجيش في “معركة الكرامة”، بل هو مظلة سياسية واقتصادية تهدف لإعادة صياغة الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المراقبون: هل يستطيع البرهان الاستفادة من هذا الزخم الإقليمي دون تغيير جذري في سياساته الداخلية؟
1. من “حكومة أزمة” إلى “حكومة بناء”
التحالف مع دول ثقيلة كالسعودية وقطر، الطامحتين للاستثمار في إعادة الإعمار، يتطلب من البرهان تجاوز صيغة “إدارة الحرب” إلى “إدارة الدولة”.
الإصلاح المؤسسي: لا يمكن جذب استثمارات قطرية أو سعودية كبرى في ظل جهاز إداري يعاني من الترهل أو الفساد. يتطلب الأمر تشكيل “حكومة تكنوقراط” تمتلك صلاحيات حقيقية بعيداً عن الترضيات السياسية.
شفافية الاقتصاد: تحتاج الدولة إلى توحيد الخزانة العامة وضمان شفافية العقود، خاصة مع التوقعات بدخول تركيا كشريك استراتيجي في مشاريع البنية التحتية والموانئ.
2. التوازن مع “الإسلام السياسي”
يمثل هذا الملف “شعرة معاوية” في علاقات السودان الإقليمية. فبينما تمتلك قطر وتركيا علاقات تاريخية مع تيارات معينة، تبدي مصر والسعودية حساسية مفرطة تجاه عودة “الإسلاميين” للسلطة.
السياسة المطلوبة: يحتاج البرهان إلى صياغة “عقد اجتماعي” جديد يبتعد عن المحاصصة الأيديولوجية، ويركز على “الوطنية السودانية الجامعة” لضمان استمرار دعم القاهرة والرياض دون توجس.
3. الانفتاح السياسي والحوار “السوداني-السوداني”
لا يمكن لهذا التحالف الخماسي أن يستمر في دعم سلطة معزولة سياسياً. الضغوط الدولية، وتحديداً من “الرباعية” التي تضم السعودية ومصر، تهدف للوصول إلى حكم مدني في نهاية المطاف.
توسيع القاعدة: على البرهان فك حالة “الجمود السياسي” عبر إطلاق حوار حقيقي يضم القوى المدنية والكتل الوطنية التي ساندت الدولة، لإنتاج شرعية سياسية توازي الشرعية العسكرية.
4. كلفة التحالف: “الأمن القومي المشترك”
هذا التحالف يفرض التزامات أمنية داخلية صارمة:
تأمين البحر الأحمر: بالتنسيق مع مصر والسعودية، يجب أن تشهد السياسة الداخلية تطويراً في منظومة أمن السواحل السودانية.
ضبط الحدود: خاصة مع ليبيا وتشاد، وهو مطلب مصري-سعودي ملح لضمان عدم تدفق السلاح أو المليشيات العابرة للحدود.
جدول: السياسات المطلوبة مقابل المكتسبات المتوقعة
هنالك سياسات داخلية مطلوبة لضمات العائد من التحالف الخماسي
1/ هيكلة الخدمة المدنية لتدفق استثمارات إعادة الإعمار (قطر/السعودية).
2/ تحجيم النفوذ الأيديولوجي لضمان الغطاء سياسي ودبلوماسي كامل (مصر/السعودية).
3/ تطوير الصناعات الدفاعية لنقل تكنولوجيا عسكرية متطورة (تركيا).
4/ إطلاق مسار سياسي مدني لاعتراف دولي ورفع العقوبات المتبقية.
الفرصة الأخيرة
إن التحالف (السوداني، التركي، السعودي، المصري، القطري) يمثل “طوق نجاة” للدولة السودانية، لكنه ليس “شيكاً على بياض”.
إن ذكاء البرهان السياسي سيقاس بمدى قدرته على “تبييض” وجه الدولة من الداخل وحفظ دماء الشهداء ليتناسب مع حجم التحالفات التي يبنيها في الخارج. فالسلاح قد يكسب المعارك، لكن السياسات الحكيمة هي التي تبني الدول.
