الخميس, فبراير 12, 2026
الرئيسيةمقالاتأصداء وطنية ...

أصداء وطنية دارفور حين تتحول الحرب إلى حرب على التعليم والمستقبل

بقلم: برمةابوسعادة

تعكس أعداد الجالسين لامتحان الشهادة السودانية للعام 2023 2024 من ولايات دارفور صورة مأساوية غير مسبوقة عن واقع التعليم في الإقليم حيث تحول الامتحان من استحقاق أكاديمي طبيعي إلى معركة وجود وفرصة نادرة للنجاة من ضياع المستقبل.
في ولاية غرب دارفور بلغ عدد الذين جلسوا لامتحان الشهادة السودانية في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد 4765 طالباً وطالبة بينما لم يتمكن داخل الولايات الآمنة سوى 230 طالباً وطالبة فقط وفي ولاية جنوب دارفور جلس 635 طالباُ وطالبة في الولايات الآمنة أما ولاية وسط دارفور فبلغ عدد الجالسين في الولايات الآمنة 524 طالباً وطالبة إضافة إلى 110 طالباً وطالبة في معسكرات اللاجئين بشرق تشاد وفي ولاية شرق دارفور بلغ عدد الممتحنين 8965 طالباً وطالبة ولم يتمكن سوى 19 طالباً وطالبة من الجلوس داخل الولايات الآمنة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة بل شهادات دامغة على انهيار المنظومة التعليمية بفعل الحرب وعلى جيل كامل يقف على حافة الضياع.
منذ اندلاع تمرد الحركات المسلحة في دارفور عام 2003 وحتى توقيع سلام جوبا ورغم قسوة الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية لم تمنع امتحانات الشهادة السودانية ولم يحرم الطلاب من حقهم في الجلوس للامتحانات بل إن كثيراً من الحركات المسلحة نفسها كانت تسخر الإمكانيات وتؤمن الطرق للطلاب للوصول إلى مراكز الامتحانات إدراكاً منها بأن التعليم خط أحمر وأن الطالب ليس عدوا ولا هدفاً للحرب.
كانت هناك تفاهمات ضمنية بين أطراف النزاع والمجتمعات المحلية بأن الحرب مؤقتة أما التعليم فهو مستقبل ما بعد الحرب وكان الطلاب يعبرون مناطق السيطرة المختلفة بأمان نسبي للوصول إلى الامتحانات في مشهد يعكس وعياً تاريخياً بقيمة العلم حتى وسط الفوضى.
أما اليوم فقد انقلبت المعادلة رأساً على عقب فالمليشيا المتمردة لا تقف فقط عائقاً أمام مستقبل الطلاب بل جعلت التعليم هدفا مباشراً للحرب لم تسهل الطريق للطلاب ولم تتركهم يعتمدون على اجتهادهم الشخصي للوصول إلى مراكز الامتحانات بل إذا تحرك طالب أو طالبة تعترض طريقه ويعذب وتنهب مصاريفه ويحتجز قسراً ثم يعاد مكسور الخاطر محطم الحلم.
لقد مر على طلاب دارفور ثلاثة أعوام متتالية دون الجلوس للامتحانات في وقت تستمر فيه الجامعات في استقبال الطلاب الذين تمكنوا من الجلوس في الولايات الآمنة أو خارج السودان وجامعة الضعين على سبيل المثال شهدت قبولاُ بنسبة تجاوزت 110 من طاقتها الاستيعابية واستقرت أكاديميا وأصبح طلابها كالنحل في خليته يعملون ويدرسون ويبنون مستقبلهم بينما ظل آلاف الطلاب في مناطق سيطرة المليشيا خارج الزمن التعليمي كأنهم يعيشون في زمن متوقف.
ولا يقتصر الأمر على جامعة الضعين وحدها بل إن جميع جامعات دارفور استأنفت القبول واستقرت أكاديمياُ وفتحت أبوابها للطلاب الجدد غير أن غالبية المقبولين هم من الولايات الآمنة فقط وهكذا تشكل واقع جديد مؤلم حيث تستمر الجامعات في أداء رسالتها العلمية وتدب الحياة في قاعاتها الدراسية بينما آلاف الطلاب في مناطق سيطرة المليشيا محرومون من الوصول إلى الامتحانات التي تؤهلهم لهذه الجامعات وكأن التعليم أصبح امتيازاً جغرافياً لا حقاً وطنياً.
إن المليشيا التي لا يدرك كثير من قادتها قيمة التعليم لا تريد لأي متعلم أن يتقدم لأن الجهل هو البيئة المثلى للفوضى والسيطرة وفي مفارقة صارخة يدرس أبناء قادة المليشيا في أفضل المدارس خارج السودان بينما يحرم أبناء الفقراء من حقهم الطبيعي في التعليم بل يستنفر بعضهم في الحرب وهم طلاب في الجامعات والثانويات والمتوسطة وقد فقد كثيرون حياتهم قبل أن يكملوا حتى المرحلة المتوسطة.
ثلاثة أعوام دون امتحان لا تعني ثلاث سنوات ضائعة فقط بل فجوة عمرية ومعرفية تتراكم وتكبر فالطالب الذي كان عمره 17 عاما أصبح اليوم 20 أو 21 عاما دون انتقال أكاديمي بينما أقرانه في المستويات الجامعية المتقدمة وهذا يولد شعورا بالاغتراب الزمني وكأن الطالب يعيش خارج الزمن الطبيعي للمجتمع
الطالب لا يفقد سنة دراسية فقط بل يفقد السيطرة على حياته ومستقبله وهذا يولد مشاعر العجز والغضب والإحباط المزمن وقد يتحول إلى لا مبالاة أو عداء تجاه المجتمع والدولة.
مرحلة الشهادة السودانية هي مرحلة بناء الهوية الشخصية والاجتماعية وعندما يتعطل المسار التعليمي ويكبر الطالب دون تقدم أكاديمي تبدأ أزمة هوية عميقة يشعر فيها بأنه متأخر عن أقرانه ما يؤدي إلى فقدان احترام الذات والانسحاب الاجتماعي والرغبة في الهجرة أو الانخراط في النزاعات المسلحة
تكرار الصدمات يولد اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة وقد يقود إلى سلوكيات خطرة مثل العنف والمخدرات والهجرة غير الشرعية.
عندما يعود بعض الطلاب للدراسة بعد سنوات يكونون قد تجاوزوا العمر الطبيعي للمرحلة الثانوية ويجدون أنفسهم في فصول أصغر منهم سناً ما يولد شعوراُ بالدونية وتسرباً دراسياً متكرراً إضافة إلى مسؤوليات اقتصادية واجتماعية تضغط عليهم مثل العمل المبكر أو الزواج المبكر للفتيات.
جيل بلا تعليم يعني مجتمعا بلا مهارات واقتصادا بلا خبرات ودولة بلا قيادات مستقبلية وتدمير التعليم في دارفور ليس خسارة فردية للطلاب فقط بل جريمة استراتيجية ضد مستقبل السودان كله.
ما فعلته الحركات المسلحة سابقاً من حماية حق الطلاب في الامتحانات كان اعترافاً بأن الحرب تنتهي لكن التعليم هو الذي يبقى أما ما تفعله المليشيا اليوم فهو حرب على الذاكرة والهوية والمستقبل إنها لا تقاتل الجيش فقط بل تقاتل المدرسة والكتاب والقلم.
إن ما حدث لطلاب دارفور ليس تعطيل امتحان فحسب بل تعطيل تاريخ وسرقة عمر وكسر حلم جيل كامل والأخطر أن دارفور تعاد صياغتها اليوم لا كإقليم معرفة ونهضة بل كإقليم صدمات وخسارات وستظل آثار هذه الجريمة التعليمية حاضرة في وجدان السودان لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات