الإثنين, فبراير 9, 2026

ضِفَاف السعودية… كلمةُ الحق حين يُختبر الوطن


نصر الدين بخيت العقابي

حين تشتد العواصف، وتعلو أصوات الرصاص فوق صوت العقل، لا يبقى في المشهد إلا الموقف الصافي الذي لا يقبل الالتباس. في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ السودان، جاءت المملكة العربية السعودية لتقف حيث يجب أن يقف الشرف، وتقول ما يجب أن يُقال، بلا تردد ولا مساومة. إدانتها الصريحة للتمرد الإرهابي لم تكن بيانًا دبلوماسيًا عابرًا، بل كانت موقفًا أخلاقيًا مكتمل الأركان، يُعيد ترتيب المعادلة، ويضع الحق في مكانه الطبيعي.
السعودية ليست دولةً طارئة على وجدان السودانيين، ولا موقفها وليد ظرف. هي صداقةٌ قديمة، تشكّلت عبر عقود من العمل المشترك، والعيش المشترك، والخبز الذي تقاسمه الناس بكرامة. في أغلب البيوت السودانية حكاية رزقٍ جاء من أرض المملكة، وفي ذاكرة الأسر أسماء آباءٍ وأمهاتٍ عملوا هناك، فعادوا بما يبني البيوت ويصنع المستقبل. لم يكن السوداني في السعودية غريبًا، بل كان إنسانًا مُحتفىً به، يجد الاحترام قبل الفرصة، والأمان قبل السؤال. ولهذا، حين تتحدث السعودية عن السودان، فإنها تتحدث بلسان القريب لا المتفرج، وبحكمة من يعرف ثمن الاستقرار، وخطورة الفوضى.
ومن هذا الموقع، جاء موقفها حاسمًا في إدانة القوات الإرهابية المتمردة التي اختارت طريق السلاح على حساب الوطن، وجعلت من المدنيين وقودًا، ومن المدن مسارح للخراب، ومن المستشفيات والقوافل الإنسانية أهدافًا مشروعة. هذه ليست قوة سياسية، ولا طرفًا يمكن تجميله بالمصطلحات؛ إنها ميليشيا مارقة، مشروعها تفكيك الدولة، وهدم ما تبقى من الثقة بين الإنسان وأرضه. ومن يدعمها، من الداخل أو الخارج، شريكٌ كامل في الجريمة، متورط في الدم، ومكشوف أمام التاريخ، مهما طال زمن التواطؤ.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز حقيقة لا يجوز القفز فوقها: الوصفة الصحيحة لمعالجة الأزمة السودانية لا تبدأ بالمساواة بين ما لا يتساوى. لا يمكن، أخلاقيًا ولا وطنيًا، أن يُوضَع جيشٌ وطنيٌّ عريق—يمتد تاريخه لأكثر من مائة عام، قامت معه الدولة، وحُفظت به السيادة، وسُقي ترابه بدماء الشهداء—في كفةٍ واحدة مع ميليشيا إرهابية متمردة على الدولة والشعب والجيش معًا. إن المساواة بين الدولة واللادولة ليست حلًا، بل جريمة في حق المنطق والتاريخ.
المساواة بين مؤسسةٍ شرعيةٍ تمثل عمود الوطن، وسلاحٍ منفلتٍ لا يعترف بالقانون، هي وصفة مضمونة لإدامة الفوضى. السلام الحقيقي لا يُبنى على توازنٍ زائف، ولا على حلول رمادية تُرضي الجلاد وتخذل الضحية. الحل الواضح، والصريح، والعادل، هو تجميع الميليشيا وتجريدها من السلاح، ومحاسبة قادتها وأفرادها وفق القانون، لا إعادة تدويرهم في مشهد سياسي مُزيّف. فالدولة التي تعفو قبل أن تُحاسب، وتُساوي قبل أن تُنصف، إنما تفتح الباب لتكرار الجريمة، وتُعلّم أبناءها أن السلاح طريقٌ أسرع من الوطن.
هنا يتكامل الموقف السعودي مع جوهر الحقيقة السودانية. دعم المملكة لوحدة السودان، ولمؤسساته الشرعية، ورفضها القاطع للفوضى والتدخلات التي تُغذي الحرب، هو موقفٌ يُعيد الاعتبار لمعنى الدولة، ويؤكد أن حماية المدنيين ليست بندًا تفاوضيًا، بل واجبًا لا يسقط بالتقادم. إنه موقفٌ يُنحاز فيه للإنسان، لا للسلاح، وللوطن، لا للمغامرة.
أما الشعب السوداني، فهو قلب هذه المعركة وغايتها. شعبٌ صابر، يعرف أن الأوطان لا تُبنى بالانتقام، ولا تُدار بالميليشيات، بل تُستعاد بالصبر، والعدل، وسيادة القانون. شعبٌ يرى في جيشه درع الدولة، وفي شرعيتها الأمل الأخير، وفي أشقائه الصادقين—وفي مقدمتهم السعودية—سندًا لا يتخلى في ساعة العسر.

وفي الختام، نقولها بوضوح لا يقبل التأويل:
إن السودان لن يُنقَذ بالمجاملات، ولا بتسويات تُساوي بين الحق والباطل، بل بموقفٍ شجاع يُعيد للدولة هيبتها، ويُنهي زمن الميليشيات إلى غير رجعة. سيعبر هذا الوطن جراحه، لأن خلفه شعبًا لا ينكسر، وجيشًا له تاريخ لا يُمحى، وأشقاء يعرفون أن الوقوف مع السودان اليوم هو وقوفٌ مع الحق وغد المنطقة بأسرها.
ستسقط مشاريع الخراب، مهما طال أمدها، ويبقى السودان…
ويبقى الحق عاليًا،
وتبقى السعودية موقفًا يُحترم،
ويبقى الأمل وعدًا لا يموت.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات