ليست الخرطوم التي ننشدها هي ذاتها التي كانت قبل الحرب ، فنتمنى أن تعود الخرطوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها إلى خرطوم يسودها القانون واحترام التشريعات ، فالمدينة خرجت من رحم تجربة قاسية ، دُفعت فيها أثمان باهظة في الأرواح والممتلكات والنظام العام ، ولذلك فإن الحديث عن “عودة الحياة إلى طبيعتها” يجب أن يكون حديثًا يرادفه تطبيق القوانين الرادعة ، لأن بعض ما كان يُسمى طبيعي قبل الحرب لم يكن سوى فوضى مقننة ومجاملات أضعفت هيبة القانون.
خرطوم ما بعد الحرب يجب أن تختلف جذريًا عن خرطوم ما قبلها ، لا يمكن أن تعود المظاهر السالبة كما كانت ، ولا أن تُفتح الأبواب من جديد للتسيّب الذي جعل الشارع العام ساحة بلا ضوابط ، المرحلة القادمة تفرض واقعًا جديدًا عنوانه الأبرز تطبيق القانون بلا تردد ، على الشرطة والأجهزة النظامية أن تستعيد دورها كاملًا ، وأن تأخذ زمام المبادرة في فرض النظام العام ، ليس انتقامًا من أحد ، بل حماية للمجتمع وإعادة بناء السلوك العام.
فالتسوّل في الطرقات ، والجلوس العشوائي في الميادين ، والفوضى في الأسواق ، والحفلات الصاخبة التي تجر خلفها كل قبيح ، كلها مظاهر لا تليق بعاصمة خرجت لتوّها من معركة وجود وكرامة ، القانون ليس سوطًا للترهيب ، بل هو مدرسة لتربية المجتمع ، عندما يدرك المواطن أن المخالفة تقابلها محاسبة حقيقية ، سيتعلم تلقائيًا احترام النظام ، وعندما يرى أن الشارع يُنظَّف ، وأن التعدي على الممتلكات العامة ممنوع ، وأن الضوضاء لها حدود ، سيصبح هو نفسه رقيبًا على سلوكه قبل أن يكون رقيبًا على الآخرين.
لا مجال بعد اليوم لعبارة خلّيها تمشي زي ما تمشي ، ولا لثقافة المجاملات على حساب هيبة الدولة ، الخرطوم العائدة تحتاج إلى انضباط صارم ، في المرور وفي الأسواق وفي البناء ، في النظافة والساحات العامة ، في السلوك الاجتماعي ، حتى نظافة البيئة يجب أن تُفرض بالقانون أولًا ، ثم تتحول إلى عادة يمارسها الناس عن قناعة ، فالشعوب المتحضرة لم تولد منضبطة ، بل تعلّمت الانضباط عبر أنظمة واضحة وعقوبات عادلة ، إن القاطنين والعائدين إلى الخرطوم يجب أن يفهموا أن صفحة جديدة قد فُتحت ، لا عودة لزمن الرخوة والتهاون ، ولا مكان لفكرة أن العاصمة يمكن أن تُدار بالعشوائية ، الحرب علّمتنا أن الدولة القوية هي التي تحترم قانونها ، وأن المجتمع المنظم هو وحده القادر على النهوض من تحت الركام.
تطبيق القانون بعد الحرب ليس غلظةً ولا تشددًا ، بل ضرورة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة كان يجب أن تكون سائدة في الماضي واعتاد الجميع عليها ، حين يرى الناس شوارع نظيفة ، وهدوءًا عامًا وأسواقًا مرتبة ، وانضباطًا في المواصلات ، سيشعرون بأن التغيير الحقيقي قد بدأ ، وأن تضحيات السنوات الماضية لم تذهب هدرًا.
نريد خرطومًا جديدة تُبنى على النظام لا على الفوضى ، على الاحترام لا على التجاوز ، على سيادة القانون لا على الأهواء ، عندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نخرج من الحرب فحسب ، بل دخلنا مرحلة التعافي الحقيقي ،
الخرطوم القادمة يجب أن تكون مدينة القانون… أو لا تكون… لنا عودة.
