ليست “السيادة” هنا سوى الغطاء الأكثر فجاجة لجريمة تُرتكب على مرأى الجميع. فإعادة لاجئين سودانيين فارّين من حرب شاملة وتصفية على الهوية وانهيار كامل للدولة ليست إجراءً إداريًا ولا ممارسة سيادية مشروعة، بل فعل سياسي واعٍ يُعيد البشر قسرًا إلى دوائر القتل والخوف والجوع، ويحوّل الحدود من خطوط حماية محتملة إلى أدوات إعدام بطيء.
ما تقوم به السلطات المصرية من إعادة لاجئين سودانيين فارّين من أتون الحرب ليس تصرّفًا عابرًا، بل ممارسة سياسية فاضحة، ترقى إلى الإعادة القسرية إلى الخطر، وتضع الدولة التي تمارسها في مواجهة مباشرة مع أبسط مبادئ القانون الدولي والحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية.
هؤلاء السودانيون لم يعبروا الحدود بحثًا عن رفاه أو فرصة اقتصادية، بل هربوا من محرقة حقيقية: حرب بلا خطوط، تصفية عرقية على الهوية، قتل بسبب الانتماء السياسي، وانهيار كامل للدولة بما يشمله من أمن وعلاج وتعليم وغذاء، وانتشار الفقر والجوع وغياب أي أفق للحياة. إعادتهم إلى هذا الواقع تعني، ببساطة، تسليمهم مجددًا للموت، مع سبق الإصرار السياسي.
تبرير هذه الإعادات بالقول إنها تتم “بطلب مشدد من الحكومة السودانية” ليس فقط تبريرًا واهيًا، بل إدانة صريحة. فأي حكومة يُستند إلى طلبها؟ سلطة مفككة، فاقدة للسيطرة على الأرض، طرف مباشر في الحرب، ومسؤولة – بالفعل أو بالصمت – عن الجرائم التي دفعت مواطنيها إلى الفرار. الاستجابة لمثل هذا الطلب لا تعني احترام السيادة، بل استخدام مفهوم السيادة كغطاء للتخلص من عبء إنساني، على حساب أرواح البشر.
القول إن مصر “لا تريد أن تكون طرفًا في أزمة السودان” هو خطاب مخادع. لا يوجد حياد في إعادة المدنيين إلى ساحات القتل. هذا ليس امتناعًا عن التدخل، بل تدخل سلبي منحاز للواقع القائم، أي للعنف ولأطراف الحرب. فالحياد في لحظة الإبادة والانهيار الشامل لا يكون موقفًا أخلاقيًا، بل شكلًا مكتملًا من أشكال التواطؤ.
في الواقع، تتعامل الدولة المصرية مع ملف اللاجئين بعقلية أمنية صرفة. اللاجئ يُرى كمشكلة يجب ضبطها أو ترحيلها، لا كإنسان له حق الحماية. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية، يصبح اللاجئون مادة سهلة للخطاب الشعبوي، وهدفًا لتفريغ الضغوط الاجتماعية والسياسية، ولو كان الثمن تعريضهم المباشر للموت.
قانونيًا، ما يحدث يشكّل انتهاكًا واضحًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو حجر الأساس في القانون الدولي للاجئين. لا يحق لأي دولة، تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، إعادة شخص إلى بلد يواجه فيه خطر القتل أو التعذيب أو الاضطهاد. هذا المبدأ ليس شعارًا أخلاقيًا، بل التزامًا قانونيًا ملزمًا، وانتهاكه جريمة موصوفة، حتى وإن جرى تغليفها بلغة دبلوماسية ناعمة.
وتتحمّل الأمم المتحدة، بمؤسساتها الأساسية، مسؤولية مباشرة عمّا يجري، وعلى رأسها مجلس الأمن الذي حوّل الحرب في السودان إلى ملف هامشي لا يستحق أكثر من جلسات إحاطة عقيمة، بينما تُرتكب جرائم واسعة النطاق دون أي رادع أو مساءلة. كما تتحمّل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مسؤولية أخلاقية وقانونية حين تكتفي بإدارة الأزمة إداريًا، وتغض الطرف عن عمليات الإعادة القسرية التي تنتهك صميم ولايتها، مكتفية بدور المراقب بدل أن تكون خط الدفاع الأول عن الفارين من الموت. أما الدول المانحة، التي تموّل برامج الإغاثة بشروط سياسية، فهي شريكة في هذه المأساة حين تفضّل ما تسميه “الاستقرار الإقليمي” على حماية البشر، وتسمح لدول العبور والاستقبال بانتهاك حقوق اللاجئين مقابل صمتٍ مدفوع الثمن. بهذا المعنى، لا يقف السودانيون اليوم أمام حرب داخلية فحسب، بل أمام نظام دولي اختار أن يُدير معاناتهم لا أن يوقفها.
ما يجري اليوم يفضح زيف خطاب “النظام الدولي القائم على القواعد”. هذه القواعد تُستدعى حين تخدم مصالح الأقوياء، وتُنسى حين يكون الضحايا بلا وزن سياسي. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المؤتمرات، بينما يُعاد البشر فعليًا إلى المقابر المفتوحة.
إعادة اللاجئين السودانيين ليست حلًا لأزمة، بل امتداد مباشر للحرب بوسائل أخرى. إنها نقل للقتل من ساحة المعركة إلى مكاتب الهجرة ونقاط العبور والحدود. وهي رسالة قاسية تقول إن حياة السوداني يمكن التفاوض عليها، والمقايضة بها، والتخلي عنها باسم “المصالح المشتركة”.
في لحظة كهذه، يصبح الصمت جريمة، وتسمية الأشياء بأسمائها واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا. ما يحدث ليس إدارة لجوء، ولا سياسة حكيمة، بل نزع منظّم للإنسانية، تشترك فيه دول، وتباركه المصالح، ويدفع ثمنه أناس لم يرتكبوا سوى أنهم حاولوا النجاة.
