” يا استاذ .. انت المقعدك لحدي اليوم في السودان شنو ..؟! “
ويطرح علينا احدهم السؤال عاليه ثم يغلق الخط ويمضي إلي حال سبيله حين يقحم اذنيه رد صامت .. ويتركنا نخوض في وحل مخاضة حامية .. معطونة بالحيرة .. خمج لمج…!
كان ذلك زميل دراسة .. ميسور الحال .. مقيم بالخارج .. يسالنا ذاك السؤال . يومها كان السؤال .. في ذاته ٱيه .. لاقبح سؤال يطرحه علينا استاذ جامعي .. منذ إن عرفنا فك الحرف .. وبالقدر ذاته كان اجمل سؤال .. علي الإطلاق .. إستطاع تقليب خلايا مخنا محمصة بفلسفة الحياة والموت .. ونحن نقراء محنة الحرب .. في يومها الحادي والسبعين ..!
ومابين قباحة السؤال وجمال التفكر في مٱل الحال .. إختبرت الايام الشعب السوداني قاطبة في طبعه وتطبعه.. وطينته..و وطنيته .. وذاك هو محك بيت القصيد..!
والجيش .. المطعون غدرا بخنجر الإمارات وايادي الجنجويد .. وهو يحاول تضميد جراحاته النازفة .. بعد مواراة شهدائه الثري .. يفتح لمد يد العون له الف باب .. يتركها مفتوحة علي مصارعها .. ويخوض المعركة .. من اجل السيادة والكرامة .. للبقاء علي صدر خارطة العالم ..لكن الطامعون في خيرات ارضه لا يرضون له ذلك ..!
والحرب حين مضت إلي إسبوعها الثاني دفعت الناس للزهاب إلي طريق ذي ثلاثة شعب .. طريق للمؤمنين بمواصلة الحرب .. وثاني للكافرين بمواصلة ذات الحرب.. ثم ثالث للمزبزبين بين هذا وذاك. .. كزغب الحواصل ..!
وبين هؤلاء وهؤلاء.. الثلاثة مزاهب .. يعلق السودان في جحر ضب ضيق .. ممسوكا بمحنة تجعل منه مزنبا بريئا معلقا.. من لغاليغه .. علي مشنقة الجحيم ..لكن الضمير الحي هو وحده ما يحدد طريق الإنتماء .. فالوطن في صدور عارفيه لا يحتاج إلي محدد طرق .. حين تبدو كل الخيارات امامه صفرا علي الشمال.. إلا حبه غير المشروط.. للارض ..!
والشاعر حين قال : جزي الله المنايا كل خير قد عرفتني صديقي من عدوي .. كان الزمان قد إختبر المحيطين به في مدلهمات الموت .. وبذات المثل فعلت بنا الحرب .. جيشا وشعب.. حين حدثت وحددت معالم الإنتماء إلي الوطن.. بين اصحاب الرياء السياسي.. والولاء الصادق لذات الوطن ..!
والمواطنون من بني إسرائيل حين فرض الله عليهم الحرب قالوا لنييهم موسي : إزهب انت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.. والقول ذاك .. ذاته.. قال به كثير من السياسيين و الموسرين بالبلاد .. لجيشهم يوم ان إستعرت نار الحرب ؛ ازهب انت وربك فقاتلا الجنجويد فإنا ههنا قاعدون..!
وههنا تلك توزعها الحوجة هنا وهناك.. جنوب وشمال.. بين يوغندا ومصر.. وقد سبقهم القادة الانقاذيون إلي مكان بعيد … هنااااااااك.. في انقره.. حيث لهو الحياة العامرة حاضرا.. بمجاميعه طوال الوقت .. ولا حسد..!
هناك إستقر قادة الانقاذ والمؤسرون واسرهم..وهنا.. حيث نجلس .. بعض الناس يختبرهم الصبر.. علي مضض..!
” إن كانت مصر ام الدنيا ، فالسودان زوجها وابو اولادها..! ” هذا ما قاله زميلنا في المدرسة الثانوية.. ايمن السر.. لمعلمنا لمادة الفيزياء.. المصري الجنسية.. حين حاول التباهي بوطنية المصرين .. ذات صباح قارس بالبرد.. مقارنة بوطنيتنا السودانية .. الحاضرة الغائبة..!
يومها اقام مدير المدرسة الدنيا علي راس الطالب.. ايمن .. ولم يقعدها إلا قرارنا في اتحاد الطلاب.. وطنية ايمن السر.. ولا بليون استاذ من دول العالم الاول ..!
حدث ذلك قبل اكثر من سبع وثلاثين سنة.. لكن فكرة اللجؤء إلي يوغندا والي مصر .. ذاتها.. هي التي جددت الذكري..والشي بالشي يذكر.. فما اشبهه الليلة بالبارحة..حين تذكرنا سؤال جدنا موسي.. ود حسين موسي.. وهو يسالنا سؤال من بيت القصيد ؛
” البطلع من ديارو حزين بلقي السعادة وين..؟!. يومها لم نفهم مغذي السؤال. لكن اليوم قد فعلنا..!
وطن جريح.. مثقل بطعنات الحرب . ومن صنع مليشات الجنجويد وجاء بها آلي مركز السلطة يجمعون اسرهم ويلملمون حاجياتهم و يلجأؤن إلي تركيا ومصر..والذين قلبوا ظهر المجن للوطن إلي يوغندا.. وبعضهم إلي الامارات نفسها مخلفين الجيش يخوض غمار الوغي ..والمغلوب علي امرهم يتفكرون في معني الوطنية.. الغائبة عن عقول اللاجئين .. ورغم آرتضاع الجيش والشعب من ذات ثدي الوطن يتسلل إلي مسامعنا صوت احدهم .. ويسالنا السؤال عاليه.. انت المقعدك في السودان شنو..؟!
وتبقي بعض الإسئلة.. حبلي بالحيرة.. عصية علي المخاض .. لا يحتويها إلا الصمت تحت ظلال الوطنية الغائبة في حضور الحرب ..!
بدرالدين خاطر
