بحري : حفية نورالدائم
كانت الدقائق تمضي ببطء، والأنظار معلّقة بالبوابة الرئيسية، تسبقها القلوب قبل الخطى. في الساحة، امتزجت الحركة بالترقّب، وأصوات الترتيبات الأخيرة تخالط همسات الدعوات الصامتة. لم يكن انتظارًا عاديًا، بل لحظات مشحونة بالشوق والحنين، لحظة عودة وجوهٍ غابت طويلًا عن مكانها، وأرواحٍ أنهكها البعد. كل شيء في دار الضو حجوج كان يستعد لاستقبال استثنائي، استقبال لا يشبه إلا دفء العودة إلى البيت بعد غيابٍ طال.
وشهدت مدينة بحري اليوم حدثًا إنسانيًا بارزًا بعودة نزلاء دار الضو حجوج لرعاية المسنين إلى مقرهم، بعد فترة إقامتهم بمدينة شندي بولاية نهر النيل، حيث وجدوا الرعاية والاحتضان خلال سنوات الحرب. وجاءت العودة وسط حضور رسمي وشعبي واسع، عكس الاهتمام الكبير بهذه الشريحة المهمة في المجتمع.
وتقدم المستقبلين مدير عام وزارة التنمية الاجتماعية والوزير المكلّف الأستاذ صديق حسن فريني، والمدير التنفيذي لمحلية بحري الأستاذ عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن، إلى جانب قيادات الأجهزة النظامية والأمنية، وممثلي المؤسسة التعاونية الوطنية، ومدراء التنمية الاجتماعية بالمحليات، وقطاع الإسناد المدني، إضافة إلى منظمات وطنية، وإدارات أهلية وشعبية، ومواطني منطقة الديم.
وأكد الوزير المكلّف أن عودة النزلاء تمثل مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والأمان، مشيرًا إلى أنها تأتي في إطار الجهود الرسمية لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين. ونقل تحيات القيادة العليا والجهات المشرفة على برنامج العودة، مثمنًا المتابعة المستمرة من حكومة ولاية الخرطوم، واللجنة العليا ذات الصلة.
كما أشاد بالدور الإنساني الكبير الذي قامت به ولاية نهر النيل حكومةً ومجتمعًا، ووزارة الرعاية الاجتماعية بالولاية، والمؤسسة التعاونية الوطنية، وقطاعات المجتمع المختلفة في شندي، الذين وفروا للنزلاء الإيواء والرعاية الصحية والدعم النفسي والأنشطة الاجتماعية، حتى تهيأت ظروف عودتهم.
من جهته، أوضح المدير التنفيذي لمحلية بحري أن استئناف الدار لنشاطها يمثل خطوة مهمة في استعادة الخدمات الاجتماعية، مشيدًا بجهود المنظمات والمبادرات المجتمعية التي ساهمت في صيانة وتأهيل الدار، ومؤكدًا حرص المحلية على متابعة احتياجات النزلاء بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وفي السياق ذاته، أكد ممثل المؤسسة التعاونية الوطنية العقيد ركن ياسر عبدالرحمن أن عملية العودة تجسد روح التكافل والتضامن بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بينما أوضحت مدير الرعاية الاجتماعية بالوزارة أن المرحلة المقبلة ستشهد تنفيذ برامج دعم نفسي واجتماعي لضمان استقرار النزلاء واندماجهم في بيئتهم.
وصاحبت مراسم الاستقبال أجواء احتفالية، حيث شاركت جهات وطنية في تنظيم زفة وأناشيد وطنية، وتعالت الهتافات والتكبيرات، فيما استقبل العاملون بالدار والأمهات العائدين بمشاعر غامرة، في مشهد إنساني عكس عمق الروابط المجتمعية.
وهكذا عادت الوجوه التي أنهكها الغياب إلى مكانها الطبيعي، لا كعائدين فحسب، بل كقصة صبرٍ وكرامةٍ ورعايةٍ لم تنقطع. لم تكن العودة مجرد انتقالٍ من مدينة إلى أخرى، بل كانت عودة طمأنينة إلى قلوب انتظرت طويلًا، ورسالة حيّة بأن الأيادي التي امتدت بالدعم يوم الضيق ما زالت حاضرة في زمن الفرج. وفي دار الضو حجوج، لم يُغلق اليوم بابه على مشهد استقبال فقط، بل فُتح فصل جديد عنوانه الأمان، والرعاية، ودفء البيت الذي لا يُعوَّض
