الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتمن دافوس إلى جرينلاند: الرأسمالية حين تفقد قدرتها على القيادة ...

من دافوس إلى جرينلاند: الرأسمالية حين تفقد قدرتها على القيادة (تحولات النظام العالمي ودروس ثورة ديسمبر في لحظة أفول الوصفة النيوليبرالية) كتب:امير الزين نورالدائم

كتب: امير الزين نورالدائم

من تصدّع النيوليبرالية إلى سؤال البديل: حين تعود الدولة إلى قلب الصراع
(الحلقة الثانية)

إذا كان منتدى دافوس الأخير، وما أثاره الجدل حول جرينلاند، قد كشف عن لحظة عالمية يتراجع فيها النموذج النيوليبرالي بوصفه إطاراً منظِّماً للرأسمالية العالمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على دول الجنوب — وعلى السودان بوجه خاص — هو: كيف نقرأ هذه التحولات من موقع التجربة لا من موقع التلقي؟ وكيف نتجنب أن نكون مرة أخرى ضحايا لوصفات جاهزة في لحظة تاريخية مضطربة؟

لقد أظهرت التحولات الجارية أن النيوليبرالية لم تعد قادرة على أداء وظيفتها القديمة: إدارة التناقضات داخل النظام الرأسمالي بأدوات السوق المفتوحة، والعولمة المنفلتة، وتقليص دور الدولة. فحتى في قلب المراكز الرأسمالية، عادت الدولة لاعباً مباشراً، وعادت الحماية، والدعم، والسياسة الصناعية، بينما تحولت التجارة نفسها إلى أداة صراع جيوسياسي. هذه اللحظة، التي يمكن توصيفها غرامشياً بأنها «أزمة هيمنة»، لا تعني نهاية الرأسمالية، لكنها تعني نهاية نموذج بعينه من إدارتها.

غير أن أهمية هذه اللحظة بالنسبة للسودان لا تكمن فقط في بعدها العالمي، بل في تقاطعها العميق مع تجربة ثورة ديسمبر نفسها. فقد كشفت تلك التجربة، منذ بداياتها، عن أحد أخطر التحديات التي واجهت المسار الانتقالي: تسلل المنطق النيوليبرالي إلى داخل المعسكر المدني، عبر كوادر وخبراء تعاملوا مع الاقتصاد بوصفه ملفاً تقنياً معزولاً عن الصراع الاجتماعي، وسعوا إلى تطبيق سياسات مؤسسات بريتون وودز — من تعويم ورفع دعم وبرامج تكيف هيكلي — على مجتمع منهك بالفقر والظلم وفساد الحكم.

هنا تبرز أهمية استدعاء كارل بولاني، الذي حذّر مبكراً من أن إخضاع المجتمع لقوى السوق المنفلتة، خاصة في لحظات الهشاشة التاريخية، لا يقود إلى الاستقرار ولا إلى النمو، بل إلى تفكك النسيج الاجتماعي وفقدان الشرعية السياسية. وهو ما حدث فعلياً في السودان: إذ ساهمت الصدمة الاقتصادية النيوليبرالية في إضعاف القاعدة الاجتماعية للثورة، وتآكل الثقة في المشروع المدني، وتهيئة المناخ للارتداد السلطوي، قبل أن تنفجر التناقضات في شكل الحرب الكارثية الجارية اليوم.

لكن المفارقة التاريخية أن تصدّع النيوليبرالية عالمياً يفتح، paradoxically، نافذة لإعادة التفكير في مسارات التنمية والسيادة. فالعالم لم يعد محكوماً بوصفة واحدة، ولا بإجماع اقتصادي كاسح كما كان عليه الحال في تسعينيات القرن الماضي. حتى صندوق النقد الدولي بات يتحدث عن عدم المساواة، والحماية الاجتماعية، ودور الدولة. غير أن هذا الهامش الجديد لا يتحول تلقائياً إلى فرصة، ما لم يُسند بقوة سياسية وتنظيم اجتماعي قادر على انتزاع بدائل حقيقية.

من هذا المنظور، يصبح السؤال المركزي ليس: هل انتهت النيوليبرالية؟ بل: هل تمتلك قوى ثورة ديسمبر القدرة على تحويل أفولها إلى مدخل لمشروع وطني بديل؟ هنا يعود غرامشي مرة أخرى، لا بوصفه منظّراً بعيداً، بل كدليل عملي: لا بد من بناء «كتلة تاريخية» جديدة، تربط بين لجان المقاومة، والنقابات، والمزارعين، والمتضررين من الحرب، حول برنامج اقتصادي–اجتماعي يعيد تعريف التنمية بوصفها مسألة سيادة وعدالة اجتماعية، لا مجرد استعادة ثقة الخارج أو إرضاء الدائنين.

إن أخطر دروس الفترة الانتقالية هو وهم الفصل بين «الإنقاذ المالي» والشرعية السياسية. فقد جرى التعامل مع القروض والمؤسسات الدولية كبديل عن التفويض الشعبي، وهو ما أفرغ المشروع المدني من مضمونه الاجتماعي. في المرحلة المقبلة، لا يمكن لأي انخراط خارجي أن يكون مدخلاً للحل ما لم يكن تابعاً لبرنامج وطني واضح، يضع إعادة الإعمار الاجتماعي، وحماية الفئات الضعيفة، واستعادة دور الدولة، في صدارة الأولويات.

خاتمة

ما نشهده اليوم ليس نهاية النظام الرأسمالي، بل انتقاله إلى طور أكثر صراعاً وعنفاً، تُستخدم فيه التجارة، والموارد، والديون، بوصفها أدوات سيطرة. بالنسبة للسودان، تمثل هذه اللحظة اختباراً مزدوجاً: إما إعادة إنتاج التبعية بأدوات جديدة، أو فتح أفق مشروع وطني ديمقراطي يتعلم من أخطاء ديسمبر ولا يكررها. فالتحولات العالمية لا تنقذ أحداً بذاتها، لكنها تمنح فرصة لمن يملك الوعي والتنظيم والإرادة. والسؤال المفتوح الذي تطرحه هذه اللحظة التاريخية ليس سؤال الاقتصاد وحده، بل سؤال السياسة والقيادة والقدرة على تحويل الأزمات إلى بدايات جديدة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات