في مساء يوم الجمعة الماضية، وعلى هامش حفل زواج الصديق هاشم الحسن، جمعنا لقاءٌ عابر في شكله، عميق في دلالاته. جلسنا—شِلّةً من الأصدقاء: الشقيق أحمد السنجك، والدكتور عبدالعزيز السنجك، والدكتور صلاح الزين، والحبيب طارق الكرف، والصديق العزيز صبري الشريف—أصدقاء فرّقت بيننا مشاغل الحياة، واختصرت الغيابَ بيننا المسافات.
تسلّل الحديث بعفوية إلى أثر وسائل التواصل الحديثة على علاقاتنا الإنسانية، وتوافقنا—دون اتفاقٍ مسبق—على مفارقةٍ موجعة:
هذه الوسائل التي قرّبت المسافات بين الناس، باعدت بينهم في المشاعر.
لم تعد اللقاءات، بعد طول غياب، تحمل تلك الحميمية القديمة، ولا ذاك الشوق الذي كان يسبق اللقاء كما يسبق الفجرُ النهار. صار اللقاء يحدث… لكن بلا لهفة، وبلا خفقان في القلب.
لم يكن الشوق يومًا شعورًا عابرًا، بل طاقةً إنسانيةً خالصة؛ تُنضج العلاقة قبل أن تقع، وتمنح اللقاء قيمته قبل أن يحدث. الشوق هو المسافة الجميلة بين الغياب والحضور، وهو الزمن الذي تعمل فيه الذاكرة والخيال والقلب معًا.
وسائل التواصل الحديثة أتاحت لنا تواصلاً دائمًا مع من نحب، لكنها—على نحوٍ paradoxical—أضعفت العلاقة نفسها. جعلتنا نكتفي بالرسائل السريعة، والصور العابرة، و«الاطمئنان الرقمي» بدل السؤال الحقيقي، و«الحضور الافتراضي» بدل الجلوس وجهًا لوجه.
ولم تُضعِف التكنولوجيا مشاعرنا وحدها، بل أضعفت التواصل نفسه.
لم نعد نصغي كما كنا، ولم نعد نحسن الإصغاء لما بين الكلمات، ولا نلتقط تلك الإشارات الصغيرة التي لا تنقلها الشاشات: نبرة الصوت حين يتهدّج، نظرة العين حين تتعب، الصمت حين يكون أبلغ من الكلام.
صار الحديث سريعًا، مقتضبًا، بلا عمق ولا امتداد، كأننا نتبادل معلومات لا مشاعر، ونؤدي واجب الاطمئنان لا طقس التواصل.
نلتقي كثيرًا… لكننا نشتاق أقل.
نتحدث أكثر… لكننا نفهم أقل.
وكأن الشاشات، حين ألغت المسافة، ألغت معها الحاجة إلى الجلوس، وإلى الإصغاء، وإلى أن نمنح الآخر وقتًا كاملًا لا مقاطعة فيه ولا تشتيت.
في الماضي، حين نكون على موعدٍ مع قريبٍ أو صديقٍ أو حبيب، كنّا نعدّ الأيام والساعات والدقائق. ننتظر اللقاء بفارغ الصبر، ونرسم في مخيلتنا صورته:
كيف فعلت به الأيام؟
هل ما زالت ملامحه كما كانت؟
هل تغيّر صوته؟ ضحكته؟ طريقته في السلام؟
كان اللقاء حدثًا… لا تفصيلًا عابرًا.
أما اليوم، فنحن نرى بعضنا بعضًا يوميًا عبر الشاشات؛ نتابع تفاصيل الحياة لحظةً بلحظة، فنصل إلى اللقاء وقد استُهلك الشوق قبل أن يولد. تقلّ حرارة السلام، تخفّ عفوية الأحضان، ويبهت السؤال عن الصحة والأسرة، لأننا “نعرف مسبقًا” ما يحدث… أو نظن أننا نعرف.
حتى السلام تغيّر. لم يعد سلام الأحضان الممتلئة بالدفء، ولا تلك اللهفة التي تقول أكثر مما تنطق، ولا ذلك السؤال الصادق عن الحال. صار السلام مختصرًا، باهتًا، بلا حميمية كما كان في الماضي. أصبح أقرب إلى إجراءٍ اجتماعي، لا اندفاعة قلب، وكأنّ دفءَ القلوب قد تلاشى مع مرور الزمن.
ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ فهي أداةٌ بلا روح. المشكلة في أننا سمحنا لها أن تحلّ محلّ اللقاء، وأن تسرق منا جمال الانتظار، وعمق الغياب، وقدسية الشوق.
فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على التحديث المستمر، بل على الاشتياق.
ولا تزدهر بكثرة الرسائل، بل بصدق الحضور.
وإذا كان هذا هو حال جيلنا—نحن الذين عرفنا الشوق قبل الشاشة، واللقاء قبل الاتصال المسبق—فكيف يكون حال مشاعر وعواطف أبنائنا وبناتنا؟
كيف سيتعلّم الجيل الجديد، الذي نشأ في ظل هذه التكنولوجيا، معنى الانتظار، وحرارة الاشتياق، وصدق العلاقات الاجتماعية، إذا لم يعرف الغياب أصلًا؟
أيّ علاقات سيبنون، وأيّ قلوب سيحملون، في عالمٍ ألغى المسافة، واختصر العاطفة، واستبدل الحضور الإنساني بالاكتفاء الرقمي؟
ربما آن الأوان أن نستعيد شيئًا من بطء الماضي، لا رفضًا للحاضر، بل حفاظًا على إنسانيتنا.
أن نترك بعض المسافات…
كي تظل القلوب قادرة على اللهفة.
فالعلاقات التي لا تشتاق، تبهت.
والمشاعر التي لا تنتظر، تفرغ.
والقلوب التي لا تعرف الغياب، تفقد لذة اللقاء.
