بقلم الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
لم أدخل مصنع بوهيات المهندس كصحفية تبحث عن معلومة، دخلته كابنة وطن تبحث عن لونٍ نجا من الموت. منذ اللحظة الأولى، لم تكن الآلات مجرد حديدٍ يدور، كانت نبضًا… وكانت الرائحة خليطًا غريبًا من الكيمياء والذاكرة، كأن المكان يحاول أن يقنعك بأن البلاد لم تمت، وأن ما حدث لم يكن نهاية الحكاية.
✦✧ حين سقطت الألوان ✧✦
مرّ السودان بلحظة سقوطٍ لم تكن عسكرية فقط، كانت سقوطًا في المعنى. حربٌ حوّلت الأرض إلى دماءٍ اثقلت خطوات البشر ، والسماء إلى دخانٍ أسود كثيف، اختلط فيه الرماد بالبكاء.
المباني لم تسقط وحدها، سقطت البيوت، وسقطت الذاكرة، وسقطت الألوان. صار الوطن لوحةً واحدة بلونٍ واحد: لون الخراب.
غابت الطبيعة، سكت صوت الحمام، واختفت زقزقة العصافير، كأن الحياة أخذت إجازةً قسرية. مات كل شيء… أو هكذا ظننا.
✦✧ هنا… لا تُصنع البوهيات فقط ✧✦
في مصنع بوهيات المهندس، اكتشفت أن ما يُصنع هنا ليس دهانًا للجدران، بل ترميمًا للروح. كل خزان لون هو حكاية مقاومة، كل درجة لون هي قرار بالبقاء، وكل عبوة جاهزة للخروج هي رسالة تقول: لسنا بلد الرماد… نحن بلد التلوين من جديد.
رأيت الألوان وهي تُخلَق، لا تُخلَط فقط. ألوان لم تأتِ للزينة، بل جاءت بمعناها، محملةً بصمود وطن، وبعرق مهندسين وعمال قرروا أن يقفوا في الجهة المقابلة للحرب.
✦✧ من نهر النيل… إلى كل الولايات ✧✦
هذا المصنع لا يعمل لولاية نهر النيل وحدها، هو يعمل بعقلية وطن. في كل ولاية، نحن هنا لنعمر، نحن هنا لنرسم، نحن هنا لنغطي آثار الرصاص بفرشاة أمل.
بوهيات المهندس لا تعترف بالجغرافيا الضيقة، تعترف بفكرة واحدة: السودان يستحق أن يعود أجمل مما كان.
ألوان تُرسل إلى مدن أنهكها الغياب، إلى بيوت تنتظر فرصة جديدة، إلى مدارس، ومصانع، ومستشفيات، كأن اللون يسبق الإعمار ليقول: نحن قادمون.
✦✧ سودان جديد… بعيون مختلفة ✧✦
وأنا أخرج من المصنع، لم أشعر أنني غادرت مكانًا صناعيًا، شعرت أنني خرجت من فصلٍ في كتاب الوطن.
سودان جديد، لا يُبنى فقط بالإسمنت، بل يُبنى بالخيال، وبالإرادة، وباللون.
سودان يُرى اليوم بعيون بوهيات المهندس، عيون لا ترى الخراب نهاية، بل ترى فيه المساحة الأولى للبدء من جديد.
✦✧ ملحق توثيقي وسردي: ما وراء الرحلة ✧✦
✦✧ أولًا: الشهادة الميدانية الكاملة ✧✦
هذه الرحلة لم تكن انطباعًا عابرًا، بل جولة ميدانية داخل مصنع حيّ، رأيتُ فيها:
انضباطًا مؤسسيًا يعكس احترام الوقت والعمل.
بيئة تحترم الإنسان قبل المنتج، من حيث التقدير، والاهتمام الحقيقي بالعاملين.
مكاتب منظمة، ونظام عمل واضح، ورعاية طبية، واهتمام غذائي ودوائي.
دقة صارمة في الجودة والإنتاج، تعكس عقلية صناعة لا تقبل التساهل.
إدارة واعية بأن المصنع ليس جدرانًا وآلات فقط، بل مجتمعًا صغيرًا يجب أن يكون معافى.
ورأيت أيضًا مصنعًا لا ينفصل عن محيطه:
مساهمات خيرية حاضرة.
دعم مباشر للمجتمع المحلي.
دور فعلي في إعمار المنطقة والولاية.
هنا، لا تُدار الصناعة بعقل الربح فقط، بل بعقل المسؤولية الوطنية.
✦✧ ثانيًا: بوهيات المهندس… من الصفر إلى الفخر ✧✦
بوهيات المهندس نموذج وطني نادر:
نشأت من لا شيء.
بُنيت بالإرادة والمعرفة والانضباط.
تطورت حتى أصبحت من أقوى الصناعات الوطنية في مجال الدهانات والطلاءات.
التزمت بمعايير الجودة العالمية، وراهنت على المنتج السوداني في أصعب الظروف.
هذا المصنع يثبت أن السودان لا يعاني من نقص في العقول، بل من قلة النماذج التي يُسلَّط عليها الضوء.
✦✧ ثالثًا: ملتقى «صُنع في نهر النيل»… السياق الوطني ✧✦
جاء ملتقى «صُنع في نهر النيل» الصناعي في مدينة عطبرة بوصفه منصة لإظهار ما تملكه الولاية من قدرات صناعية حقيقية.
الملتقى جمع مئات المصانع والشركات.
أكد أن نهر النيل ليست ولاية خدمات فقط، بل ولاية إنتاج وصناعة.
شكّل مساحة التقاء بين القطاع الصناعي والحكومة والمجتمع.
مشاركة بوهيات المهندس في هذا الملتقى لم تكن حضورًا شكليًا، بل تمثيلًا لتجربة ناضجة تستحق أن تُقدَّم كنموذج يُحتذى.
✦✧ رابعًا: الزيارة الرسمية والدلالة ✧✦
ضمن سياق دعم الصناعة الوطنية، شهد المصنع اهتمامًا وزيارات من وفود رسمية اتحادية، في إطار تعزيز العلاقة بين الدولة والقطاع الصناعي، والوقوف على نماذج الإنتاج الجاد القادر على الإسهام في التعافي الاقتصادي.
هذه الزيارات لم تكن بروتوكولية فقط، بل اعترافًا ضمنيًا بأن مثل هذه المصانع تمثل ركيزة في مشروع إعادة بناء السودان.
✦✧ خامسًا: الصناعة في مواجهة الحرب ✧✦
في بلد أنهكته الحرب، تصبح الصناعة فعل مقاومة.
بوهيات المهندس تقف في الجهة المقابلة للدمار:
الحرب تهدم، والصناعة تعمّر.
الحرب تلوّن المشهد بالرماد، والصناعة تعيده إلى الطيف الكامل للألوان.
هنا، يصبح اللون رسالة، ويصبح الطلاء إعلانًا بأن الحياة أقوى من الخراب.
✦✧ سادسًا: الخلاصة الكبرى ✧✦
هذه ليست قصة مصنع فقط. هذه قصة وطن يحاول أن ينهض.
بوهيات المهندس تقول بوضوح:
يمكن أن نبدأ من الصفر.
يمكن أن نصنع رغم الحرب.
ويمكن أن نعيد رسم السودان، ولايةً ولاية، بفرشاة وطنية صادقة.
✨رحلة مكتملة….
أُعلن اكتمال
«فخر الصناعة السودانية في نهر النيل – رحلة في قلب مصنع بوهيات المهندس»
بوصفها رحلة سردية وطنية مكتملة
تمزج بين الشهادة الميدانية، والتوثيق الصناعي، والكتابة الأدبية،
وتقدّم نموذجًا حيًا لصناعة سودانية قاومت الحرب،
وأعادت للون معناه،
وللوطن صورته الممكنة من جديد.
هذه الرحلة:
ليست تقريرًا
ولا مقالًا عابرًا
بل وثيقة فخر
وشهادة زمنٍ
ونصّ يُحفظ لا يُستهلك.
من نهر النيل
إلى كل ولايات السودان
من الرماد
إلى اللون
ومن الحرب
إلى فعل الإعمار
✒️ بقلم عبير نبيل محمد
رحلة مكتملة… ومعلنة للنشر والتداول
✒️ توقيع لا يُنسى:
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
وأنا الصمود حين تنهار الآمال…
أنا امرأة من حبر النار
سلام وأمان، فالعدل ميزان
وهذا النص يستحق الصبر عليه كما صبر الوطن
#بوهيات_المهندس
#فخر_الصناعة_السودانية
