قراءة تحليلية للسياسة الداخلية وحرب الأحزاب الناعمة بعد سقوط البندقية
قراءة في زمن الحرب… ما بعد سقوط البندقية
نقف اليوم في زمنٍ تبدّلت فيه ملامح الحروب؛ فلم تعد البندقية هي الوجه الوحيد للصراع، بل صارت الحرب أعمق وأكثر خفاءً وأشد أثرًا. لم تنتهِ الحرب، إنما غيّرت جلدها وانتقلت من ساحات القتال إلى دهاليز السياسة والاقتصاد والإعلام. هي حرب تُدار بالعقول والمال والمعلومات قبل الرصاص، وتُحسم أحيانًا دون طلقة واحدة.
وفي هذا التحوّل، يقف الوطن مثخنًا بالجراح، يتساءل أبناؤه إن كان القادم سلامًا حقيقيًا أم مجرد هدنة قصيرة بين جولاتٍ أكثر قسوة. فالحرب اليوم ليست بندقية فقط… بل مسيّرات تضرب بلا إنذار.
تحليل:
الحرب الجديدة تتغلغل في تفاصيل حياة الناس اليومية: الإعلام الموجَّه يزرع الخوف والريبة، والتضليل السياسي يضعف القدرة على اتخاذ القرار، والحروب الاقتصادية تسرق من المواطن أمواله وفرصه. المواطن البسيط في المدن أو القرى يشعر بالضغط والارتباك. بينما تُدار المعارك على مستويات خفية لا يراها إلا من له عين ثاقبة. إن خسارة الموارد وتأخير المشاريع الأساسية أصبحت جزءًا من الصراع نفسه، فهي سلاح أكثر دمارًا من الرصاص.
✨الأحزاب النائمة…
نعم… نائمة، لكنها ما تزال تحلم باسم الوطن، وتنام على دماء شهدائه.
الأحزاب التي يفترض أن تكون ضمير الوطن تبدو اليوم نائمة في سباتٍ ثقيل، تتوسّد دماء الشهداء وتتحرّك فقط حين تخدم مصالحها. ترفع شعار الوطن حين يناسبها، وتختفي حين يحتاجها الوطن حقًا. تحوّل العمل السياسي من رسالة إلى تجارة، ومن موقفٍ أخلاقي إلى عرضٍ موسمي تُزيَّن فيه الوعود وتُؤجَّل الأفعال.
تحليل:
إذا نظرنا إلى تاريخ هذه الأحزاب، نجد أن اختلاف قياداتها، وضعف الرقابة الداخلية، وصراعات النفوذ، جميعها أسهمت في هذا “السبات الثقيل”. ليس فقط خيانةً للمبادئ، بل غياب رؤية واضحة للتنمية، بحيث تتحول كلمة الوطن إلى شعار يُرفع مؤقتًا، ويتم نسيانها بمجرد أن تُحسم مصالح شخصية أو مناطقية. المواطن الذي فقد أقرباءه في ساحات القتال، والمجتمعات المحلية التي دُمّرت بنيتها التحتية، هي التي تتحمل ثمن هذه الغفلة.
إن قلنا إننا على مشارف نهاية الحرب، فليكن واضحًا:
العالم لن يرانا بعد الآن.
ومليشيات الارتزاق تواصل نهب خيرات دارفور؛
تجارةُ أعضاء، وتهريبُ ثروات…
وسؤالنا لك، عزيزي القارئ: هل حسبت يومًا كم من خيراتنا تُسلَب منا كل يوم؟ ما زلنا غافلين عن ذلك.
سيناريو جديد… حرب الأحزاب الناعمة
مع تشكيل الولايات، ومع العاصمة في صدارة
المشهد، يبدأ السيناريو الجديد:
✨ حرب الأحزاب الناعمة:
تصفيات، مسيّرات، صراعات مجهولة النسب، وأفعال تُصاغ على مهل.
طوال ألف يوم من الحرب، تحوّلت الكلمة باسم الوطن إلى تجارة، والموقف إلى عرض، والدم إلى أغنية مؤقتة.
تحليل:
في هذا السيناريو، يُرى الصراع على المناصب والموارد وكأنها رقعة شطرنج، كل حركة محسوبة بدقة، وكل قرار سياسي يخضع لمصلحة شخصية أو جماعية. الشعارات الوطنية تُرفع في المؤتمرات، بينما تُنهب الخيرات بعيدًا عن أعين المواطنين، وتظل المشاريع الموعودة مجرد عروض مسرحية. فنّ يُعرض، شعارات تُمجَّد باسم الوطن، وعند انتهاء حماسة اللحظة يأتي الغناء والطرب، وتُصاغ خطط تُمجِّد العدم، وتُخلَق عظمة شخصيات وُلدت من لا شيء.
✨البُعد الإنساني…
الناس في القرى والمدن الصغيرة يراقبون هذا التلون المستمر للأحزاب، ويشعرون بخيبة الأمل.
كل وعدٍ لم يُنفذ، وكل مشروع تأخر، يترك أثرًا مباشرًا على حياتهم اليومية، على تعليم أطفالهم، على صحة مرضاهم، وعلى مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي.
كم هو غالٍ هذا الوطن… وكم هو موجع أن تُباع الوطنية على الطرقات، وأن تتلوّن الأحزاب كما تتلوّن الحرباء.
✨نداء إلى المرابطين….
أخوتي المرابطين في ميادين القتال…
صبرًا على وجعٍ أثقل من الجبال، فالنهر فاض حزنًا على ضياع الآمال.
القادم مرسوم، والكل بدأ برسم الأمل، وأنت، عزيزي القارئ، انصب خيمة، وعلّق بحبالها خيوط الصبر… والأمل.
✨ صاحب الصمود:
ولا ننسى المواطن العادي، الذي رغم ضغوط الحياة وخيبات الأمل، يظل العين الساهرة، واليد التي تمسك بخيط الوطن. وعيه وصموده، ومراقبته لكل خطوة سياسية، هو جزء من حماية الوطن والحفاظ على كرامته. كل مشاركة صغيرة، وكل رفض للغبن أو الخداع، هو مقاومة صامتة تُكتب في سجل الوطن.
نترحم على شهدائنا الأبرار، ونسأل الله عاجل الشفاء للجرحى، ونعطي الصبر لمن فقد قطعةً من جسده… كانت فداءً للوطن.
الله المستعان.
ختام….
إن وعي الشعب وصموده هما البندقية الحقيقية اليوم، وأمام كل خيانة وطنية، هناك فرصة لتغيير المسار.
القادم قد يكون عسيرًا، لكنه لن يكون نهاية الوطن إذا ظل كل واحد منا يقف على أرضه، يرفض بيع مبادئه، ويثبت أن الوطنية ليست شعارات تُرفع موسميًا، بل دماء تُراق في سبيل الحق.
هذا الوطن ما زال حيًا في قلوبنا، وما زالت له فرصة ليُستعاد، متحدًا، قويًا، لا تُسرق فيه خيرات شعبه، ولا يُخدع فيه أبناؤه.
المستقبل مرسوم بوعينا، وليس بيد العابثين.
إشارة للمقال الثاني
“في المقال التالي، سنسلط الضوء على دارفور ومعاناة الشعب، لنكشف حجم المأساة الإنسانية التي يعانيها الوطن… دارفور لم تُنسى، ومعاناة أهلها صرخة في وجه العالم…”
سلام وأمان… فالعدل ميزان
أنا الرسالة حين يضيع البريد…
أنا امرأة من حبر النار……… ✍️ عبير نبيل محمد فرح
