لطالما آمنا بأن المثقف هو خط الدفاع الأول عن وجدان الأمة، وأنه “البوصلة” التي لا تخطئ الاتجاه حين تتلاطم أمواج الأزمات. لكن المشهد الراهن في “معركة الكرامة” كشف عن حقيقة صادمة ومؤلمة؛ فقد سقطت الأقنعة عن نخبٍ ظلت لعقود تملأ الفضاء ضجيجاً حول الشعارات والمبادئ، وعندما حانت لحظة الحقيقة، آثرت هذه النخب السلامة، أو انزوت في ركن “الحياد البارد”.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع عابر، بل هو “فشل بنيوي” يعيد صياغة علاقة الشارع بالمثقف. فبينما يسطر أبناء الوطن ملاحم الصمود بدمائهم وعرقهم، غاب الصوت الثقافي الرصين الذي يمنح هذه التضحيات معناها التاريخي، ويحولها إلى طاقة دافعة نحو النصر والتحرير.
هروب من الميدان إلى “الصالونات”
لقد اختارت النخبة الثقافية، في معظمها، أن تعتصم بصالوناتها الفكرية ومنابرها الافتراضية، مكتفيةً بالتحذير من “مآلات الحرب” وتكلفة “المواجهة”. هؤلاء نسوا أو تناسوا أن الكرامة الوطنية لا تخضع لحسابات “الربح والخسارة” المادية، وأن الشعوب التي تخشى دفع ثمن حريتها، ستدفع أضعافه من ذلها وهوانها.
هذا الانفصال عن نبض الشارع جعل خطاب النخبة يبدو “مغترباً”؛ يتحدث لغةً لا يفهمها من يواجهون الرصاص، ويطرح حلولاً “انهزامية” مغلفة بورق السلوفان الثقافي والسياسي.
مثقف “التمويل” ومثقف “الوطن”
لا يمكننا قراءة هذا الفشل بمعزل عن الارتباطات المشبوهة لبعض الرموز الثقافية بجهات ومنظمات جعلت من “تزييف الوعي” مهنة لها. لقد تحول المثقف من “صوت للحق” إلى “موظف” يراعي سياسات المانحين، ويخشى أن تخدش مواقفه الوطنية “برستيجه” الدولي أو فرص سفره وتكريمه في العواصم التي تدير الخراب في بلادنا.
“إن أخطر أنواع الهزيمة هي تلك التي تبدأ من الداخل، حين يشرع المثقف في تبرير الانكسار وتسويق العجز كنوع من الحكمة.”
الفشل في إدارة “معركة الوعي”
معركة الكرامة ليست مواجهة عسكرية فحسب، بل هي “معركة وعي” بامتياز. وهنا تكمن الجريمة الكبرى للنخب؛ فقد فشلوا في مواجهة الماكينات الإعلامية المعادية، وتركوا المواطن البسيط فريسة للشائعات وللإحباط الممنهج، بدلاً من أن يكونوا هم حائط الصد الفكري الذي يحمي الجبهة الداخلية من التآكل.
اخر الكلام:
إن التاريخ لا يرحم، والذاكرة الشعبية لا تنسى من خذلها في ساعة العسرة. إن “معركة الكرامة” ستنتصر، ليس بفضل تنظيرات النخب المرتجفة، بل بفضل إيمان البسطاء الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، لكنهم يحفظون عن ظهر قلب أبجديات العزة والأنفة.
لقد سقطت النخبة في اختبارها الأخلاقي، وبات من الضروري أن يفسح “المثقف العاجز” الطريق لجيل جديد من المبدعين والمفكرين الذين يعيشون قضايا شعبهم بصدق، ويؤمنون بأن الكلمة التي لا تخدم الكرامة هي كلمة ميتة لا تستحق الحياة.
