أكتب انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن حماية الأطفال ليست ترفًا تشريعيًا، بل جوهر بناء الدولة،
ومعيار إنسانيتها.
في هذا الوطن،
لا يبدأ الصباحُ بالضوء دائمًا،
أحيانًا يبدأ بأنينِ طفلٍ
لم يفهم بعد
لماذا وُلد في زمنٍ
تتقدّم فيه الخُطب على الأفعال،
وتُؤجَّل فيه العدالة
حتى تشيخ البراءة.
نكتب عن الطفولة كثيرًا،
نُقيم المؤتمرات،
نوقّع القوانين،
نرفع الشعارات…
ثم نعود أدراجنا،
ونترك الأطفال وحدهم
في مواجهة الجوع، والخوف،
وانكسار السنوات الأولى من العمر.
هنا،
لا تكون الطفولة مرحلةً عمرية،
بل ساحةَ اختبارٍ أخلاقي:
إمّا أن ننجح فيها بشرًا،
أو نسقط…
دولةً، ومجتمعًا، وتاريخًا.
✦ البيانُ التَّحليلي – دواعي إصدارِ القانون ✦
في ظلّ الأوضاع الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، وما أفرزته الأزمات المتراكمة من هشاشةٍ اجتماعيةٍ واقتصادية، برزت قضايا الطفولة بوصفها من أكثر الملفات إلحاحًا، لارتباطها المباشر بحاضر الوطن ومستقبله.
ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع قانون صندوق دعم الطفل لسنة 2025م كضرورة وطنية عاجلة، لا بوصفه مجرّد تشريع، بل كآلية حمايةٍ اجتماعية تضمن استدامة الرعاية والإنصاف للأطفال.
فالطفولة لا تحتمل التأجيل، وأي تأخيرٍ في حمايتها ينعكس هدرًا في المورد البشري، واتساعًا في دائرة الفاقد التربوي والاجتماعي، بما يهدّد مسار التنمية المستدامة. كما ينسجم المشروع مع قانون الطفل لسنة 2008م، والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، تأكيدًا لالتزام الدولة بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
ويمثّل صندوق دعم الطفل أداةً محورية لدعم مجالس الطفولة وبرامجها في مجالات الغذاء، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، إذ إن السياسات والخطط، مهما بلغت دقّتها، تظلّ عاجزة عن التنفيذ ما لم تستند إلى تمويلٍ مستدام، تحميه نصوص قانونية واضحة، تضمن الاستمرارية وعدم الارتهان للظروف الطارئة.
✦ وهُنا… الصَّرخةُ الأخيرة ✦
أين حقُّ الغد في فجرٍ جديد؟
وأين العدالة،
والحديثُ عنها يُعاد
حتى يفقد معناه؟
براءةُ الطفولة تُستنزف،
والأعوام تموت وهنًا
من تكرار الكلام…
كلامٌ
لا يُطعِم جائعًا،
ولا يحمي طفلًا،
ولا يُنقذ عمرًا
يتساقط بصمت
بين بنودٍ مؤجَّلة،
وتوقيعاتٍ باردة.
فالعدالة التي لا تُترجَم فعلًا،
ليست عدالة.
والقوانين التي لا تحرس الطفولة في الواقع،
تبقى حبرًا باردًا
على ورقٍ خائف.
وكلُّ يومٍ
يُؤجَّل فيه الفعل،
يُسرق من طفلٍ
عامٌ كامل…
لا يعود.
هذه ليست خاتمة مقال،
هذه لائحة اتهام.
صرخةٌ
تدقّ أبواب الأرض
وتسأل السماء:
كم طفلًا يجب أن يضيع
قبل أن نفهم
أن العدالة لا تُقال…
بل تُفعل؟
وقبل أن تُطوى الصفحة، تبقى الطفولة هي السؤال الأكبر.
هي المعيار الذي تُقاس به إنسانية الأوطان،
والمرآة التي تعكس صدق القوانين وعدالتها.
فالطفل لا يطلب المستحيل،
بل حقه في الأمان،
وفي فرصةٍ عادلة للحياة،
وفي وطنٍ لا يخذله في أول الطريق.
وحين تُحمى الطفولة،
يُحمى الغد،
وتستقيم الموازين،
ويصبح العدل فعلًا… لا وعدًا.
سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان
✦ توقيعٌ لا يُنسى ✦
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
أنا امرأةٌ من حبر النار.
عبير نبيل محمد
