اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته وترحيلهما خارج فنزويلا لا يمكن قراءته كحادثة أمنية معزولة ، بل كتحوّل خطير في منطق العلاقات الدولية ، خاصة إذا وضعناه في سياقه الجغرافي والسياسي ، فنزويلا ليست دولة بعيدة عن المجال الحيوي الأمريكي ، إنها تقع في قلب أميركا اللاتينية ، وعلى مسافة قريبة من السواحل الأمريكية ، وفي منطقة اعتبرتها واشنطن تاريخيًا جزءًا من حديقتها الخلفية ، قرب فنزويلا من الولايات المتحدة ، وامتلاكها لأكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم ، جعلاها لعقود محطّ اهتمام أمريكي مباشر ، ومنذ وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى السلطة ، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة صدام مفتوح ، عنوانه رفض فنزويلا للهيمنة الأمريكية ، ومحاولتها بناء تحالفات بديلة مع روسيا ، الصين ، وإيران ، هذا المسار حوّل كاراكاس من شريك اقتصادي سابق إلى خصم سياسي واستراتيجي في نظر واشنطن.
في ذروة هذا العداء ، ظل هناك سقف غير مكتوب ، العقوبات الضغوط الدبلوماسية ، العزل السياسي ، أما أن تتجاوز أمريكا ذلك إلى اعتقال رئيس دولة ذات سيادة على أرضها ، فهذه قفزة نوعية تعني أن الجغرافيا والقدرة العسكرية أصبحتا مبررًا لتجاوز القانون الدولي ، الرسالة هنا واضحة القرب الجغرافي من الولايات المتحدة قد يتحول من عامل توازن إلى عامل خطورة.
وهنا يبرز سؤال أكبر من فنزويلا نفسها ، ما مصير الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبقية المؤسسات الدولية أمام هذا التصرف للاهوج ، فالأمم المتحدة ، التي أُنشئت أساسًا لمنع تكرار منطق القوة ، تبدو اليوم عاجزة عن حماية أبسط مبادئ ميثاقها ، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ، أما مجلس الأمن ، الذي يُفترض أن يكون حارس الشرعية الدولية ، فيقف عمليًا أسيرًا لحق النقض وهيمنة الدول الكبرى ، ما يجعله غير قادر أو غير راغب ، في محاسبة الولايات المتحدة وردعها ، والحيلولة دون تدخلها المباشر في شؤون دول ذات سيادة.
هذا الصمت أو العجز لا يضر بفنزويلا وحدها ، بل يضرب مصداقية النظام الدولي بأكمله ، ويحوّل المؤسسات الدولية من أدوات ضبط إلى مجرد منصات خطابية ، تُدان فيها الانتهاكات حين يرتكبها الضعفاء ، وتُبرَّر أو تُتجاهل حين تصدر عن الأقوياء.
تاريخيًا لم تكن العلاقات بين فنزويلا وأمريكا دائمًا عدائية ، لسنوات طويلة ، كانت فنزويلا موردًا نفطيًا رئيسيًا للسوق الأمريكية ، وكانت الشركات الأمريكية لاعبًا أساسيًا في قطاع الطاقة الفنزويلي ، لكن هذا الترابط الاقتصادي لم يمنع الانقلاب الكامل حين اصطدمت المصالح السياسية ، ما يؤكد أن الروابط لا تحمي الدول إذا تعارضت خياراتها مع إرادة القوة الكبرى.
هل يمهّد هذا المشهد لحرب عالمية؟ ، ربما لا بشكل مباشر ، لكن المؤكد أنه يعمّق مناخ المواجهة الدولية ، فروسيا والصين لن تنظران إلى ما حدث باعتباره شأناً أمريكيًا فنزويليًا ، بل سابقة تهدد قواعد اللعبة ، عالم اليوم لا ينفجر بحرب واحدة كبرى ، بل يتآكل بسلسلة خطوات تتجاوز القانون ، حتى يصبح الانفجار مسألة وقت .
خلاصة القول اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته لا يعكس فقط اختلال ميزان القوة ، بل يكشف أن الجغرافيا ، حين تقترن بالقوة ، قد تتحول إلى أداة إكراه لا حماية ، وحين تُدار السياسة الدولية بهذا المنطق ، يصبح السؤال الأخطر ليس ، ماذا فعلت أمريكا؟ بل: من الدولة التالية التي ستكتشف أن السيادة وحدها لم تعد كافية؟…لنا عودة.
