الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتمواقف وسوالف ...

مواقف وسوالف خالد الضبياني يكتب… حين خرج المستعمر وبقي الفراغ: ماذا لو لم يُعلن استقلال السودان في 1956؟

طرح سؤال (ماذا لو تأخر استقلال السودان؟) لا ينطلق من حنين إلى الاستعمار، ولا من تشكيك في شرعية الاستقلال، بل من محاولة جادة لفهم لماذا خرج السودان من لحظة التحرر مثقلًا بالهشاشة، ولماذا تحوّل الاستقلال من وعد بالدولة إلى بداية مأزقها.
في يناير 1956 خرج المستعمر، لكن الحقيقة الأقسى أن الدولة لم تكن جاهزة للدخول. رُفع العلم عاليًا بينما بقيت المؤسسات ضعيفة، والدستور مؤقتًا، والنخبة السياسية منقسمة على نفسها عاجزة عن الاتفاق على تعريف الوطن قبل إدارة الحكم.
لو تأخر الاستقلال سنوات قليلة ربما أُتيح وقت أطول لبناء جهاز إداري وطني مؤهل وقضاء مستقر، وتعليم ينتج نخبة قومية لا طائفية. ربما كان بالإمكان صياغة دستور دائم يسبق رفع العلم بدل أن يتحول الخلاف الدستوري إلى سمة دائمة في عمر الدولة.
الأخطر أن الاستقلال جاء بينما النخب السياسية لم تنضج بعد. أحزاب أسيرة للزعامة والطائفة، خلافاتها لا تُدار داخل البرلمان بل تُرحّل إلى الشارع وحين تعجز عن الحسم تبحث عن (حل خارج السياسة). هكذا وُلد الفراغ الذي قاد مباشرة إلى أول انقلاب عسكري بعد أقل من ثلاث سنوات على الاستقلال.ثم اعقب ذلك انقلاب نميري 1969 ثم انقلاب هاشم العطا 1971 ثم عودة نميري وهكذا.
لكن لا يجوز الوقوع في الوهم،تأخير الاستقلال وحده لم يكن ليصنع دولة ناجحة تلقائيًا. فالاستعمار لا يُعدّ شعوبًا للدولة بقدر ما يُعدّها للتبعية. وكان يمكن للتأخير أن ينتج طبقة سياسية أكثر ارتباطًا بالمستعمر، أو يؤجل الانفجار بدل أن يمنعه.
إذن، ليست المشكلة في تاريخ الاستقلال، بل في غياب المشروع الوطني بعده. السودان استقل دون حسم أسئلة الدولة الكبرى : ما شكل الحكم؟ كيف تدار
التعددية؟ أين تقف حدود
السلطة؟ ومن يحمي
الدستور؟.ترك هذه الأسئلة معلّقة جعل الدولة تدور في حلقة مفرغة: فشل سياسي، ثم انقلاب، ثم حكم قاسٍ، ثم انتفاضة، ثم إعادة إنتاج الفشل نفسه بوجوه جديدة.
الخلاصة القاسية أن السودان لم يخسر لأنه استقل مبكرًا، بل لأنه استقل بلا استعداد وطني كافٍ، وبلا نخبة قومية، وبلا عقد اجتماعي واضح. الاستقلال كان لحظة شرف، لكنه لم يُستكمل ببناء الدولة.
واليوم، بعد كل هذه العقود، يبدو السؤال الأهم ليس: ماذا لو تأخر الاستقلال؟
بل: متى يكتمل الاستقلال؟
متى نتحرر من عقلية الغنيمة، ومن الفشل المتكرر، ومن إعادة الأخطاء نفسها تحت شعارات مختلفة؟
الاستقلال ليس ذكرى تُحتفل بها مرة في العام،
بل مشروع دولة لم يُنجز بعد.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات