الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تُدار الحروب بلا أخلاق: كيف يُمزَّق النسيج القبلي باسم الانتصار ...

حين تُدار الحروب بلا أخلاق: كيف يُمزَّق النسيج القبلي باسم الانتصار كتب: مهدي داود الخليفة

لم يكن سقوط مدينة بابنوسة حدثاً عسكرياً يمكن اختزاله في مفردات السيطرة والخسارة، بل كان زلزالاً اجتماعياً عنيفاً أصاب قلب قبيلة المسيرية، وضرب نسيجها الأهلي في مقتل. ففي السودان، لا تُقاس الحروب بعدد القتلى أو بمساحات الأرض التي تغيّر ولاءها، بل بما تُحدثه من تصدّع في العلاقات الاجتماعية، وانهيار في منظومات القيم، وتشويه في الروابط التي شكّلت عبر القرون أساس التعايش والاستقرار. بابنوسة لم تسقط حجراً فحسب؛ بل كشفت إلى أي مدى يمكن للحرب، حين تُدار بلا عقل وبلا أخلاق، أن تتحول إلى أداة لتدمير المجتمع من داخله.

قبيلة المسيرية ليست طارئة على تاريخ السودان ولا هامشاً في جغرافيته. إنها قبيلة ذات إرث عريق في الفروسية والنجدة وحفظ العرف، وكانت عبر تاريخها صمام أمان اجتماعي في غرب السودان، ولا سيما في مناطق التداخل القبلي والحركة الموسمية. وما جرى في بابنوسة لا يشبه المسيرية ولا يعكس تاريخها، بل هو حصيلة سياسات ممنهجة هدفت إلى تفكيك القبيلة من الداخل، عبر تعبئة عسكرية مؤدلجة لا تمتّ بصلة لمصالح المجتمع المحلي، وزجّ الشباب في حرب ليست حربهم ولا تخدم مستقبلهم، وتحويل الانتماء القبلي من وعاء اجتماعي جامع إلى أداة اقتتال داخلي. هنا تتجلى الكارثة الحقيقية: حين يُقتل الأخ بيد ابن عمّه، وتُفتح بيوت العزاء للقاتل والمقتول في آنٍ واحد، وتغدو القبيلة ساحة فجيعة مزدوجة بدل أن تكون شبكة حماية وتضامن.

هذا المشهد المأساوي يفرض سؤالاً لا يمكن القفز فوقه: لماذا يُصرّ طرفا الحرب، الجيش والدعم السريع، على زجّ القبائل في حربهما العبثية؟ ولماذا تتحول القبيلة دائماً إلى مخزن بشري يُستنزف عند الحاجة، بينما تبقى القيادات العسكرية والسياسية بعيدة عن كلفة الدم؟ الإجابة المؤلمة أن هذه الحرب، في جوهرها، لا تُدار بعقل الدولة، بل بمنطق الغنيمة؛ وأن القبيلة تُستَخدم كأداة تعبئة سهلة في غياب مشروع وطني جامع، وفي ظل انهيار كامل لفكرة المواطنة.

والسؤال الأعمق: لماذا دأبت حكومات المركز، تاريخياً، على عدم الاكتراث بتفكك النسيج الاجتماعي لقبائل غرب السودان؟ منذ عقود، تعاملت الدولة مع هذه المجتمعات بعينٍ أمنية لا اجتماعية؛ فرأت فيها أدوات ضبط أو وقود صراع، لا مكوّنات وطنية لها حق الحماية والاستقرار. وفي عهد نظام البشير بلغ هذا النهج ذروته خلال حكم الانقاذ عبر تقويض الإدارة الأهلية، وتسليح القبائل، وتكوين المليشيات، وإفراغ مؤسسات الصلح التقليدية من مضمونها، بالتوازي مع تغذية اقتصاد الحرب المرتبط بالأرض والذهب والموارد. وهكذا تحولت الخلافات القابلة للاحتواء إلى صراعات وجودية، وصار تفكك المجتمع ثمناً مقبولاً في حسابات السلطة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تناول مسألة زجّ القبائل في أتون الحرب دون التوقف عند قبيلة الزغاوة بوصفها إحدى القبائل التاريخية الكبرى في دارفور. فالزغاوة قبيلة ذات جذور ضاربة في عمق تاريخ الإقليم، وثقل ديمغرافي، وإسهام معتبر في الحياة السياسية والاقتصادية السودانية، ولم تكن يوماً جماعة طارئة أو هامشاً عابراً، بل شكّلت جزءاً أصيلاً من النسيج الدارفوري والسوداني على السواء.

وكان للزغاوة حضورٌ بارز في الثورة المهدية؛ إذ بادروا إلى مناصرتها منذ بواكيرها الأولى، وهاجروا مبكراً وبايعوا الإمام المهدي في قدير. وكان من بينهم الشيخ طاهر إسحق الزغاوي، رسول الإمام المهدي إلى زعيم الحركة السنوسية في واحة جغبوب بليبيا، حاملاً رسالة إعلان المهدية والدعوة إلى تأييد الثورة إلوطنية ضد الحكم التركي، في دلالة عميقة على انخراط الزغاوة المبكر في المشروع الوطني المقاوم للاستعمار والهيمنة.

ومن رحم هذه القبيلة خرج حكماء ورجال دولة وعلم ومعرفة، أمثال المهندس محمود بشير جماع، والبروفيسور شريف حريري، والدكتور عبد الرحمن دوسة، والدكتور عبد الجبار دوسة، والأستاذ محمد آدم فاشر، السفير عمر مانيس والمرحوم عبد الحميد مانيس؛ أسماء اقترنت بالحكمة والاتزان واحترام العقل العام، حيثما حضرت حضر معها التعقّل، وغاب الاستقطاب الأعمى. وما أحوج السودان اليوم، في لحظة الانكسار هذه، إلى استعادة تلك الروح، لا إلى استدعاء القبيلة بوصفها مخزناً بشرياً للحرب.

إن الدعوات المتصاعدة لتجييش قبيلة الزغاوة تحت شعار «الدفاع عن النفس»، وإن بدت مفهومة في سياق الانفلات الأمني، إلا أنها تنطوي على خطر بالغ يتمثل في تكرار مأساة بابنوسة بصيغة أخرى. فحين تُدفع القبائل إلى مواجهة مليشيات ثقيلة التسليح بلا غطاء سياسي وطني ولا أفق أخلاقي، تتحول الحماية إلى مقامرة، ويتحوّل الحق المشروع إلى وقود حرب طويلة الأمد، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم، بينما يظل دعاة التصعيد بعيدين عن مرمى النار.

وهنا يبرز سؤال لا يقل إلحاحاً: لماذا لا يحذو قادة مثل جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي حذو القائد عبد الواحد محمد أحمد النور، الذي رفض منذ البداية أن يكون حصان طروادة في لعبة إقليمية معقّدة تُستخدم فيها الحركات المسلحة كأوراق ضغط أو أدوات لتثبيت النفوذ؟ لقد أدرك عبد الواحد أن الانخراط في حرب بين قوتين عسكريتين متهمتين بارتكاب انتهاكات واسعة لن يخدم قضية العدالة ولا أهداف الثورة، وأن الحركة التي نشأت لتحرير الإنسان السوداني من التهميش لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتقاسم السلطة تحت تهديد البنادق. هذا الموقف لم يُنقذ الأرواح فحسب، بل حافظ على ما تبقّى من القيمة الأخلاقية لحركة تحرير السودان في الوعي الشعبي الدارفوري، وحال دون انفجار موجات انتقام قبلي كانت ستضع المدنيين بين نيران الدعم السريع وردود الفعل الانتقامية معاً.

وفي المقابل، تكشف تجربة المسيرية عن غياب مماثل للحكمة التي جسّدها الناظر بابو نمر، الذي أدرك مبكراً أن زجّ القبيلة في الصراع المسلح يعني تدميرها من الداخل. انتهج سياسة التعايش السلمي مع جيرانه الدينكا، ونسج مع السلطان دينق مجوك نموذجاً فريداً في إدارة الخلافات، قائماً على الحكمة والتجرّد واحترام الإدارة الأهلية. في عهده، أصبحت أبيي مرجعية في التعايش، وشهدت تداخلاً اجتماعياً نادراً؛ حيث كان المسيرية يقيمون بمواشيهم أشهراً طويلة في ديار الدينكا بلا خوف ولا دم. لم يكن ذلك مثالاً رومانسياً، بل إدراكاً عميقاً لمعادلة المصالح المشتركة، كما عبّر عنها الناظر بابو نمر بوضوح: «أحتاج إليهم ويحتاجون إليّ، وأبقاري ستجد الكلأ والماء في ديارهم».

المفارقة المؤلمة أن ما حماه الحكماء بالأعراف والعقل، دمّرته اليوم البنادق والتحريض بأيدي الأبناء. وهنا تتجلى الحقيقة القاسية: الكلفة الاجتماعية للحرب ليست أثراً جانبياً يمكن معالجته لاحقاً، بل هي جوهر الأزمة نفسها. حين يتفكك النسيج الاجتماعي، تصبح أي تسوية سياسية هشّة، وأي وقف لإطلاق النار مؤقتاً؛ لأن المجتمع الذي يُكسر من الداخل لا ينهض بسهولة.

إن ما جرى في بابنوسة ليس حادثة معزولة، بل إنذار مبكر لما قد يحدث في دارفور وغيرها إذا استمر استسهال الزجّ بالقبائل في أتون الصراع. و من الواجب على أبناء وعقلاء قبيلة الزغاوة أن يتحلوا بالحكمة وألا ينجروا إلى محاولات استغلالهم كأداة في صراع لا يعبر عنهم كقبيلة. فالحرب الدائرة اليوم ليست سوى صراع بين طرفين كانا حتى وقت قريب جزءًا من مؤسسات الدولة السودانية. هذه الأزمة المتفاقمة انفجرت نتيجة تقاطعات أجندات متعددة، وحلها لا يكمن في دعوة القبائل للانحياز لطرف على حساب آخر، بل يتطلب جهداً حقيقياً لوقف الحرب، والبحث عن حلول تؤسس لدولة المواطنة المتكافئة، تحت حكم مدني ديمقراطي يتداول السلطة سلمياً عبر انتخابات حرة.

حماية السودان لا تبدأ بانتصارٍ عسكري، بل بصون نسيجه الاجتماعي، وبرفض تحويل القبيلة إلى وقود في حرب لا تملك قرارها ولا ثمارها. فالدولة التي تنتصر على مجتمعها تكون قد خسرت الوطن، حتى لو ربحت المعركة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات