الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة خطاب كامل إدريس رؤية سلام تصطدم بثوابت السودانيين وتتجاهل دعم الإمارات للميليشيا

خطاب رئيس الوزراء د. كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي ، جاء وفق رؤية رسمية تسعى لتقديم الدولة السودانية كطرف يمتلك مبادرة متكاملة للسلام ، تستند إلى مرجعيات دولية وتخاطب المجتمع الدولي بلغة القانون والالتزامات الأممية ، من حيث الشكل ، بدا الخطاب متماسكًا ، واعيًا بميزان القوى الدولي ، وحريصًا على إظهار الحكومة بوصفها صاحبة مشروع سلام لا مشروع حرب ، مع التأكيد على حماية المدنيين واستعادة سلطة الدولة ووقف دائرة العنف ، غير أن هذا الخطاب عند وضعه في سياقه الداخلي ، يصطدم مباشرة بثوابت راسخة لدى قطاعات الشعب السوداني ، هذه الثوابت تشكّلت بفعل التجربة القاسية للحرب ، وبفعل الفظائع الواسعة التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع في حق المدنيين ، من قتل واغتصاب ونهب وتهجير قسري وتدمير للبنية الاجتماعية ، هذه الذاكرة الجمعية لا تتعامل مع الميليشيا كطرف سياسي يمكن إدماجه ، بل كقوة متمردة فقدت أخلاقيًا ووطنيًا ، أي أهلية للعودة إلى المشهد العام ، سواء عبر مفاوضات سياسية أو ترتيبات عسكرية.

واحدة من أهم النقاط التي تبرز الضعف في خطاب كامل إدريس ، تجاهله بشكل كامل للدور الخارجي في إشعال واستمرار الحرب ، وعلى رأسه الدعم الإماراتي المباشر لميليشيا الدعم السريع ، فهذا الدعم الذي شمل العتاد العسكري والتمويل والدعم البشري ، كان عاملًا حاسمًا في صمود الميليشيا أمام الجيش السوداني ، ولولاه لما استمرت المعارك بهذه الوتيرة وبهذا المدنى الزمني ، الذي تخطى ثلاثة اعوام ، إن القفز على هذه الحقيقة في منبر دولي معني بالأمن والسلم يفرغ الخطاب من أحد عناصره الجوهرية ، ويُضعف الدعوة لوقف تدفق السلاح ، طالما لم تُسمَّ الجهات الداعمة بأسمائها ، ولم تُحمَّلها مسؤولياتها السياسية والأخلاقية ، وبالنسبة للرأي العام السوداني ، لا يمكن الحديث عن سلام عادل دون مواجهة صريحة للدور الإماراتي بوصفه أحد المحركات الأساسية للحرب ،
صحيح أن د. كامل إدريس شدد على ثوابت الدولة ، مثل خروج الميليشيا من المناطق التي احتلتها ، وتجميع قواتها في معسكرات محددة ، ونزع السلاح وهو ما ينسجم مع مطالب الشارع ، إلا أن حديثه عن إعادة الدمج والتأهيل ، وتدابير بناء الثقة ، وحوار سوداني سوداني شامل ، يفتح بابًا واسعًا للرفض الشعبي ، فالميليشيا ومعها جناحها السياسي الذي وفّر الغطاء والدعم والتبرير ، سقطا أخلاقيًا ووطنيًا كما اسلفت ، ولا يمكن إعادة تدويرهما في المشهد العام دون محاسبة حقيقية وعدالة غير انتقائية.

التصادم هنا ليس مع مبدأ السلام في حد ذاته ، بل مع تعريف أطرافه وحدوده ، فالشعب السوداني يرى أن السلام الحقيقي يبدأ بالعدالة لا بالمساومات ، وبإنهاء التمرد وتجفيف منابعه الداخلية والخارجية ، قبل الحديث عن المصالحات والحوارات ، ومن هذه الزاوية ، يبدو خطاب كامل إدريس متقدمًا في مخاطبة الخارج ، لكنه يصطدم بواقع داخلي صلب ، لا يقبل أنصاف الحلول ولا سلامًا يُبنى على تجاهل الدم والذاكرة…لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات