الإثنين, فبراير 2, 2026
الرئيسيةمقالاتالبيان المصري ، ما كان مجاملة سياسية.. ...

البيان المصري ، ما كان مجاملة سياسية.. بقلم/ د. إسماعيل الحكيم..


إنَّ البيان المصري الصادر عقب زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة لم يكن بيانَ مجاملةٍ دبلوماسية، ولا نصًا بروتوكوليًا قاصرًا، بل جاء — بكل ما حمله من وضوح وحسم — أقرب إلى إعلان موقف إستراتيجي مكتمل الأركان تجاه ما يجري في السودان، ومؤشرًا على انتقال العلاقات بين البلدين من مربع الترقب السياسي إلى فضاء الشراكة الأمنية الصلبة.
لقد بدا البيان، في لغته ومضامينه، من أنضج وأوضح البيانات الإقليمية التي تناولت الأزمة السودانية، لا من حيث توصيفها فحسب، بل من حيث رسمه لخطوط حمراء لا تحتمل التأويل ولا تقبل المساومة.
فحين يتحدث البيان صراحة عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، فإننا لا نكون أمام عبارة إنشائية أو تهديدٍ مبطن، بل أمام التزام عسكري وقانوني صارم، يقوم على مبدأ أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن أي تهديد خارجي يستهدف سيادة أحد البلدين هو تهديد مباشر للآخر.
وهذا التفعيل يعني — بلغة الإستراتيجية — إعادة تعريف مسرح العمليات الإقليمي، ورفع كلفة أي تدخل خارجي أو مغامرة عابرة للحدود، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الجغرافيا حين تتحالف، تُسقِط حسابات الوكلاء وتربك خرائط العبث.
إن أبرز ما في البيان أنه لم يكتفِ بدعم الشرعية، بل ذهب أبعد من ذلك حين وضع وحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية في صدارة الأولويات، مع رفض قاطع لأي محاولات لتفكيك الدولة أو إنشاء كيانات موازية تحت أي ذريعة كانت.
وهذا الموقف لا يحمل بعدًا أخلاقيًا فقط، إنما يعكس إدراكًا مصريًا عميقًا وإرادة أخوية مشتركة بأن تفكيك السودان لا يعني انفجارًا داخليًا معزولًا، بل زلزالًا إقليميًا يضرب استقرار وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر معًا.
وبالمقابل التأكيد على التدريب العسكري المشترك الذي لا يمكن قراءته خارج سياق إعادة رفع الكفاءة القتالية وتحديث مفاهيم العمل العسكري المشترك، بما يعزز القدرة على مواجهة الأخطار التي تمس الأمن القومي للبلدين.
وهو، في جوهره، انتقال من الدعم السياسي إلى بناء قدرة ردع حقيقية، قائمة على الإعداد والتنسيق، وتوحيد الرؤى في مواجهة التهديدات المركبة، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو عابرة للدول.
قد يرى البعض أن البيان جاء متأخرًا، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنه صدر في لحظة فاصلة، لحظة استدعت وضوحًا لا لبس فيه، وحسمًا لا يحتمل الرماديات.
فهو بيان سيعيد — بلا شك — ترتيب أوراق الميدان، عسكريًا وسياسيًا، لا في شمال السودان وحده، بل في حسابات العديد من دول الجوار، وسيجبر أطرافًا إقليمية ودولية على إعادة النظر في رهاناتها، بعد أن أصبحت كلفة الاستمرار في الفوضى أعلى من كلفة الاستقرار.
إن البيان المصري ليس مجرد موقف داعم للسودان، بل إعلان شراكة مصيرية، ورسالة مفادها أن الدولة الوطنية في السودان ليست وحيدة، وأن معركة السيادة لا تُخاض بالبنادق وحدها، بل بالتحالفات الواعية، والقرارات الواضحة، والإرادة السياسية التي تعرف متى تصمت ومتى تتكلم.
وفي هذه اللحظة، تكلمت القاهرة… بلغة السيادة. وسكت الجميع..

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات