..
نحن في وقتٍ يُفترض فيه أن تكون الشفافية عنوان المرحلة، وأن تُدار شؤون الدولة بعقلٍ مؤسسيٍّ راشد، فوجئت الأوساط الصحفية بتأكيدات موثوقة عن تعيين أمين عام للحج والعمرة، تعيينًا تمّ ـ على ما يبدو ـ بعيدًا عن الضوء، ودون إعلان رسمي واضح، عقب استقالة الأمين العام السابق.
ليس الحدث في ذاته هو ما يثير القلق، فالتعيين والاستقالة جزء من دورة العمل العام، ولكن الطريقة، والتوقيت، والسياق المرتبك الذي أحاط بهذا الملف، هي ما يفرض على الرأي العام، وعلى الصحافة تحديدًا، أن تتوقف وتطرح الأسئلة الصعبة.
فبعد إقالة سامي الرشيد، دخل ملف الحج والعمرة في حالةٍ من الارتباك لا تخطئها العين؛
إعلان للوظيفة يتبعه صمت،
يعقبه تعيين لا يكمل شهره،
ثم تعيين جديد… يتم في الخفاء.
والمحصلة؟ مشهد إداري مرتبك، يبعث برسائل مقلقة عن غياب المؤسسية، ويفتح الباب واسعًا أمام الشكوك: هل نحن أمام ملف يُدار بعقل الدولة، أم بمنطق التجريب؟
وهل باتت واحدة من أكثر الملفات حساسيةً دينيًا وإداريًا، تُحسم بقرارات مترددة لا تحتملها المرحلة؟
إن ملف الحج والعمرة ليس شأنًا إداريًا منعزلاَ ، بل هو واجهة دولة، واختبار ثقة، ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون منصبًا. وأي عبث في إدارته، أو تردد في قراراته، لا ينعكس فقط على صورة الحكومة، بل يمس وجدان الناس وطمأنينتهم.
الأخطر من ذلك، أن التعيين السري – إن صح – يطرح سؤالًا جوهريًا:
لماذا هذا التحفظ؟
ولماذا يُدار هذا الملف تحديدًا بعيدًا عن الرأي العام؟
وهل أصبحت قرارات الدولة تُتخذ بهذه الهشاشة، وبهذا القدر من الغموض؟
إن ما يحدث لا يحتاج إلى تبرير بقدر ما يحتاج إلى مصارحة.
فالدولة التي تحترم نفسها، تعلن قراراتها بثقة، وتشرح خياراتها بشجاعة، وتدير ملفاتها بثبات لا بتردد.
أما أن يظل ملف الحج والعمرة عالقًا بين الإقالة والتعيين، وبين الإعلان والكتمان، فذلك أمر لا يليق بدولة تبحث عن الأمل، ولا بحكومة ترفع شعار الإصلاح.
ويبقى السؤال معلقًا:
أين المؤسسية؟
وأي رسالة تُراد من هذا التخبط؟
وهل ما زال القرار العام يُدار بعقل الدولة… أم أن الدولة تُدار بردة فعل؟
